شعرية الشخصية في روايات عزالدين جلاوجي
أ . حفيظة طعام جامعة تيارت
تعتبر الشخصية عنصرا فنبا مهما في كل عمل إبداعي ويمكن أن نتحدث أكثر عن هذه الأهمية باختراق عوالم جلاوجي الروائية من خلال الروايات الثلاث، التي تجلت فيها بوضوح تلك الأطروحة النقدية القائلة أن«الشخصية الحكاية بمثابة دليل signe له وجهان أحدهما دال Signifiant والآخر مدلول signifié. دال من حيث أنها تتخذ عدة أسماء أو صفات تلخص هويتها -و هذا ما سنتطرق إليه لاحقا- أما الشخصية كمدلول فهي مجموع ما يقال عنها بواسطة جمل متفرقة في النص أو بواسطة تصريحاتها وأقوالها وسلوكها»([1])، تتجلى في وسائل بناء جلاوجي لمجمل شخصياته الرئيسية والثانوية والتي«تتسم في مجملها أنها دينامية dynamique فالروائي يتيح لكل شخصية من هذه الشخصيات فرصة وجودها المستقل عنه من جهة، ويدعها تعبر عن نفسها من جهة ثانية، وينوع في طرائق هذا التعبير وموقعه من جهة ثالثة، كما يربط علاقات انسجام معها مؤكدا ما ذهب إليه سمر روحي الفيصل من أن القارئ لا يجد في الرواية جزئية واحدة لا تخدم سير الحدث في حاضره أو مستقبله، مما دل على وعي الروائي بان أهمية النص لا تكمن في محتواه بل في كيفية بنائه لهذا المحتوى»([2]). من هذا المنطلق ومن منطلق أن الروائي الحقيقي هو الذي يخلق الشخصيات، استمدت النصوص الروائية الجلاوجية جاذبيتها ورونقها فأنتجت بذلك خليطا شخوصاتيا مثيرا فنجد المثقف النخبوي والمجتمعي ونجد الصالح والفاسد، الغني والفقير، من خلال محاورة الكاتب للراهن الاجتماعي المأساوي لمختلف الطبقات الاجتماعية، بذلك تعددت الأصوات السردية وتوحدت الرؤيا، كل ذلك ضمن بنية سردية تنتقل من شخصية لأخرى ومن موقف لآخر، دون إشعار المتلقي أو إبلاغه.
في دراستنا هذه نختار بعض الشخصيات التي نجدها حمالة للإيديولوجية السردانية في كل نص ونجدها موافقة للمحاور التي سندرجها باعتبارها خيوطا تحكم نسيج الروايات الثلاث وسترتكز عليها دراستنا وهي كالتالي:
- الشخصية كمرتكز للحفاظ على الهوية.
- الشخصية وعبث الآخر بهويتها.
- الرؤية البرجوازية، وتأثيراتها على الشخصية.
- شخصية المرأة، زوجة، حبيبة، ....و مومسا.
- شخصية المثقف، صوت بلا صدى.
1- الشخصية كمرتكز للحفاظ على الهوية:
ويتجلى مظهر الحفاظ على الهوية«من خلال ذلك الفعل المقاوم والمستعمر الذي كان همه الأول والأخير هو إسقاط هوية الذات الوطنية، ذلك الهم الذي سخر له كل السبل والمناهج طيلة مكوثه في هذه الربوع، مع الإلماح إلى ذلك العزم على تشويه الهوية رافعة بالضرورة فعلا مضادا تبنته الشخصية في إثبات عناصر هذه الهوية»([3])، يقول الكاتب:«الأحذية ليست أحذيتنا، لا نعبد ما تعبد ولا تعبد ما نعبد، ولا هي عابدة ما نعبد ولا نحن عابدون ما تعبد لها دينها ولنا ديننا.»([4]). إن هذا الرفض للآخر بنبئ عن نية الشخصية في الحفاظ على هويتها المتضمنة للدين والعادات والتقاليد، وحق امتلاك الوطن وحبه المتواصل في المنقطع التالي يقول عمي صالح إحدى شخصيات الرواية «لم أعد أحس بالتعب وأنا أمارس طقوس العمل في هذه الأرض، أكره الليل حين يلقي علينا برنسه الأسود شفقة علي»([5])،«إن إسناد "طقوسية" إلى العمل في الأرض هو ملمح يفضي إلى تلك العلاقة الحميمة والأبدية بين الذات وبين الموطن، فضاء الكينونة. كما أن النفور من الليل في صورته الفلكية، بل الأصح والأصوب هو انزياح الدلالة عن المقاصد إلى سرقة هوية الذات وتربتها»([6]) لتتكرر نفس مشاعر الحفاظ على الهوية مع شخصية خليفة الفلاح، الذي يصفه الكاتب بقوله:«لم يعرف خليفة مهنة غير الفلاحة، ورثها أبا عن جد، حتى عندما اغتصبت فرنسا منهم أراضيهم فضل أبوه أن يستصلح البور والسفح ليزرع فيه الحياة وحصل بعد الاستقلال على قطعة كبيرة مع بعض زملائه لخدمتها ضمن شعار الأرض لمن يخدمها، ومع ذهاب ريح الاشتراكية تنازلت له الدولة عن هذه القطعة التي مازال يبذر في رحمها ما بقي من سنوات عمره»([7]). فخليفة من خلال هذه البطاقة الفنية التي وضعها له الكاتب، يبدو أنه يربط علاقة حب ذات جذور عميقة وعريقة بالأرض ، مرجعها أن الاستعمار أول ما اغتصب منه أرضه، هادفا من ذلك تجويعه بما أنها كانت المصدر الوحيد لإعالتهو لازالت، فبتجويعه سلب منه هويته واغتصبها كما اغتصب الأرض، هذه الأخيرة التي أبى إلا أن يفارقها مبرهنا رفضه اغتصاب هويته. ويعبر خليفة عن هذه العلاقة التي تربطه بالأرض قائلا:«و لا فرق بين الأرض والإنسان، هو الأرض الصغرى وهي الإنسان الأكبر... وحين يسأله الناس...من علمه هذه الفلسفة؟ يقول ملء فيه الأرض... –يعلق الكاتب-و بمثل ما يسعد وهو عليها يتلذذ عبقها وينتشي كبرياءها... حين يقلبها رضيعا بين يديه... وحين يزرع في رحمها الحياة وحين يعفر جبهته عليها ساجدا لله. بمثل ما يسعد بذلك يحس بالاختناق وهو يغادرها إلى البيت...»([8]). إذن فتعلق الشخصية بأرضها يعكس تعلق الفلاح الجزائري والمواطن الجزائري بها وهي مستعمرة، فهي هويته، وهي كبرياؤه ومثلما سجد لله على خروج المستعمر منها ذات يوم، فهاهو اليوم يعفر جبهته عليها ساجدا لله شاكرا له. فحب الشخصية للأرض نابع من حب هذا الوطن لتلتقي الشخصيات الثلاث في هذا الحب السرمدي خدمة لأرض هذا الوطن الذي وهبها يوما هوية وجب حفاظها عليها.
- شخصية البطل
-شخصية خليفة
2- الشخصية، والعبث بهويتها:
تعيش الشخصية أزمة حادة وهي تتأرجح بين مد الهوية وجزر الآخر، الذي طالما عمل على تشويه الهوية وطمسها والعبث بها، متجاوزا بذلك كل الأعراف الدينية التي تمجد الإنسان وهو بذلك مُصرّ على«قصد يته العبثية في الهوية»([9]) تقول الشخصية «هناك أمر يقع الساعة دون أن أدري، لابد أن أعرف لمجرد إشباع الفضول طبعا، فأنا شاهد سلبي على الأحداث لا أقدر على تغييرها ربما لأن القدر قد رسم هذا وجفّ القلم وطويت الصحف وأنا قشة لا يمكن أن أصمد أمام التيار الجارف...ألم يرو أن حكماء هذه المدينة المومس قد قالوا وقولهم الحق:
-إذا رأيت السيل هادرا فابق بعيدا عنه، وانعم برؤيته. وسواء أنعمت أم لم أنعم وسواء أباليت أم لم أبال تماما... المهم أني لا أقدر على تغيير الواقع وشتّان بين ما أحلم به أنا وما يريده هؤلاء»([10]) المشكل ليس في القدر، المشكل في السلطة التي همشت الشخصية وأطرت حريتها وقتلت هويتها "شاهد سلبي"لأنها مهددة من قبل«إن أردت أن تعيش بيننا سليما معافى في جسمك. وجسدك...و بدنك...و.. .يأتيك رزقك ما يسد رمقك...و يستر عورتك... فاسكت»([11]).فأن تكتفي بالصمت والمشاهدة، مقابل أن تلبي حاجاتك وليس كلها... فذاك قتل لذاتك وضرب لهويتك من جذورها.
لقد فقدت الشخصية شخصيتها، فتكون لديها إحساس بالجبن والخوف والألم، من كل من يقف طرف النقيض في الأفكار، كل من يستهزئ بالهوية الجزائرية ويعمل على إفسادها وقتلها.... وقد تمثل هذا الطرف، شخصية صلاح الدين قائد الجماعة الإرهابية و"امحمد لملمد"" قائد السماسرة والمفسدين "بسي سليمان الوزير، فهذه الأطراف الثلاثة تشترك في نقطة واحدة هي ""إفساد الهوية"" معتمدة طرقا عدة ومتعددة:
- صلاح الدين -امحمد الملمد
-سي سليمان
يمثل الآخر (الإرهاب) الآخر (النفوذ)
الآخر(السلطة)
إفساد الهوية
بالقتل، بالذبح، التشويه...
التحايل، الغش، التزوير، إدمان، سكر ...
سرقة، وعدة أعمال سيئة...
1- صلاح الدين: شاب في مقتبل العمر تقاذفته قسوة الحياة وصعوبتها فجعلت منه«فريسة سهلة للتيارات المفسدة للهوية، -فعمل هو الآخر-حتى كانوا حقلا لزرع نبتة التطرف نحو المغالاة في الدين حين اعتبروا كل إطارات الدولة الجزائرية مثل الدين واللغة وثورة التحريروغيرها من عناصر الهوية ودلالات شموخها. كما قد تمثل هذه الشخصية الفئة الشابة المنحدرة من الريف.»([12]).
هذه الأسباب مجتمعة جعلت من شخصية صلاح الدين شخصية حقودة، مريضة، مسلوبة الإرادة ، ملوثة الأفكار، فانعكست حالتها النفسية والاجتماعية عليها بطريقة سلبية فأرادت الانتقام لذاتها بالثورة على الآخرين وضربهم في هويتهم بممارسة فعل الإرهاب ،ولعل ما فعله مع عبد الرحيم كاف لتأكيد شخصيته المريضة والمنتقمة ،هو لم يبال به رغم توسلاته «أنا أخوكم...أقسم أنني بريئ...أقسم أنني لم أظلم أحدا...أنا فقير...ارحموني يرحكم الله»([13]) ولكن قلب صلاح الدين لا يعرف الرحمة ولم يرحم منذ امتهن الإرهاب سلوكا وعملا...مبررا جواز قسوته على الطواغيت.
2- أمحمد الملمد:
تمثل هذه الشخصية بؤرة الفساد ومركز إفساد الهوية، فهو في نظرنا شخصية ناقصة في مرحلة الإثبات، أراد شراء الجميع بنقوده، الفقراء، السلطة، الدولة، الأمن، الكل غدا في حضرته مساوما بأثمان بخسة. اغتصاب فهو يرى في نفسه الحاكم، الآمر والناهي «أنا ما خلقت لأملك المال فحسب...؟ بل خلقت لأقود الناس وأتزعمهم وهذه سنة الله ولا تبديل لسنته... وظيفة الفقراء العمل عند أسيادهم والتصفيق لهم والائتمار بأمرهم لا غير»([14]).
و هذا تشويه آخر رهيب من نوعه للشخصية ومقصود، فكيف نتصور حاكما ينوي مسبقا حكم الناس من أجل إذلالهم من أجل التباهي وهو سجله حافل بأضخم الجرائم، ففي اغتصابه الحلوة اغتصاب للهوية وفي سجن منير خنق للثقافة ومن ثمة لهوية المثقف. وفي محاولته الزواج من الجازية ذلك حلم ظل يراوده لأنها الهوية ذاتها.
3- سي سليمان: مدير المشفى الذي أصبح فيما بعد وزيرا للصحة مارس هو الآخر لعبة تشويه الهوية قبل أن ينصب وزيرا.يقول عمي صالح في وصفه«مديرنا وطني ضرب الرقم القياسي في احترام وقت عمله...يدخل لمكتبه بعد العاشرة يتصفح الجرائد التي تشترى على حساب المشفى... يوقع الوثائق ...يطلع على المراسلات....يرشف قهوة...في الباب يلتف حوله العمال المخلصون كالكلاب المدربة يرقصون بلا إيقاع...يملأون له السيارة بخيرات المشفى...لحوم......أما المساكين...»([15]).
من خلال هذه الصورة التي قدمها عمي صالح لسي سليمان ، ندرك أنه شخصية لا تعمل إلا لحسابها الخاص دون الالتفات للآخرين، الذين ظلوا خدما لها ممزقي الهوية في ظلمتها والمشكلة أنها حضيت بمنصب وزير للصحة فكيف سيكون موقفها اتجاه الآخرين وهي تتقلد المسؤولية...؟ سنترك المجال لهذا الخطاب الذي ألقاه على الرعية يجيب على هذا السؤال «أمامنا عمل بزاف ومشاكل قد لجبال par ce que وزارتنا ...Trés Importante Importante" لازم نخطط ونشيد عمرانا باش نقضي على مشكل السكن الخطير ونسهل البسطاء السكن ولو بالأديان...»"([16]).
يمثل هذا الخطاب «قمة العبثية »([17]) فسي سليمان وهو مدير أفسد الهوية...أما وهو وزير فقد شوهها ومزقها.
فمن خلال هذه النماذج الثلاثة، لاحظنا كيف عملت على العبث بهوية الذات، فقيرة كانت أم لا مبدعة كانت أم غير ذلك، امرأة كانت أم رجلا، فراهن الهوية راهن مشوه ذاك الذي زج بـكريم السامعي خلف سرادق السجن يتجرع آلام براءته، آلام ظلم القانون له، آلام جريمة لم يرتكبها، آلام نظرات الناس إليه صارخين في وجهه (مجرم، مجرم...) وحده كان يصدق براءته «يؤكد لصاحبه الجديد أنه بريء وأن العدالة لا معنى لها إذا كانت تتهم الأبرياء لمجرد دلائل لا يدري كيف دست له»([18]) والوحيدة المسؤولة هي عزيزة قطب النفوذ، المال، السلطة جعلت القضية في صالحها متهمة كريم بما ارتكبه المجرم الحقيقي فواز ولدها. وفي ذلك تشويه لهويته وسمعته.
3- الرؤية البرجوازية، وتأثيراتها على الشخصية:
دون إشكال يمكن أن نطرح انتماء شخصية عزيزة إلى الطبقة البرجوازية، ذلك أنها ورثت ثروة ضخمة عن عمتها «و ما كادت تبلغ الثامنة عشر حتى ورثت عن عمتها كل ما ورثت عن زوجها الثري من أراضي وأموال، فتحولت عزيزة فجأة من مضغة للشفقة إلى إعصار للرفض والتحدي، وخاضت في لجة الحياة حتى استوت سيدة للمجتمع، وخصوصا بعد اقترانها بسالم بوطويل وضمها الثروتين معا في قبضتها»([19]) فهي بذلك تمثل الطبقة البرجوازية في مجتمع عين الرماد، وقد كانت الرواية النوع الأدبي النموذجي للمجتمع البرجوازي، ذلك كونها كما يرى (لوكاتش) «استطاعت أن تصور تناقضات المجتمع البرجوازي النوعية أصدق تصوير وأكثر نموذجية»([20]).
لقد عمل الكاتب على تعرية واقع هذه الطبقة، فشخصية كشخصية عزيزة المركبة من تناقضات عدة لا غرابة في «أن نجدها تختار لنفسها الانتماء الأشد عفونة على الإطلاق وهو الانتماء البرجوازي الموغل في الجشع والاستغلال، وابتزاز كل شيء يدر عليه بفائدة مادية أو لذة عابرة حتى ولو كان هذا الشيء جريمة في حق الأخلاق-كحبها للرجل المفترض أن تتزوجه ابنتها-أو القانون –التستر على جريمة القتل- التي ارتكبها فواز ابنها-أو الوطن-باستغلال خيراته لصالحها ونهبه والاحتيال عليه-»([21]) فهي تمارس البرجوازية فعلا، من خلال إيمانها بالانقسام الطبقي في المجتمع وعدم تعاطفها مع الآخر(الطبقة الفقيرة) فكل مساعدتها كانت للآخر(الغرب) من خلال إعادة ترميم مقبرة النصارى.
و يمكن رصد جميع ردود فعلها على مجموعة كبيرة من القضايا لكشف توجهها وإحساسها وانتمائها البرجوازي الملخص في شكل توجهين:
أولا تحقيق الحلم: إنها عزيزة بحصولها على المال حصلت على القوة وامتلكت الجميع في قبضتها خصوصا (الرجل) فلطالما حلمت أن تتحدى هذا الأخير الذي كان يوما أبا قاسيا لم يرحم والدتها«فقدت عزيزة أمها في مأساة رهيبة حين تجرأ أبوها فقتلها شر قتلة...»([22]) فبانتمائها البرجوازي حققت حلم ثأرها من الرجل، والبداية كانت من زوجها سالم الذي مارست عليه كل عقدها النفسية وأذلته واحتقرته ولعنت معشر الرجال من خلاله«اللعنة على كل الرجال»([23]).
- تحقيق حلمها من خلال الانتماء البرجوازي: فتح لها المجال بالظهور أمام الناس في كامل لياقتها أصغر سنا وأكثر تألقا، لذلك فهي حريصة كل الحرص على اقتناء أفخر الملابس وأرقى مواد التجميل كما تحرص على الذهاب إلى قاعات الحلاقة وممارسة الرياضة.
- تحقيق حلمها من خلال استعادة كرامتها التي فقدتها وهي طفلة تتقاذفها الدور، هاهي اليوم بانتمائها هذا تجلب اهتمام الجميع حولها « قطعت عزيزة الأشرطة معلنة عن نهاية ترميم المقبرة، وألقت كلمات ذكرت فيها بمجهوداتها الجبارة وبآمالها المستقبلية وشكرت الجميع .. وما كادت تنهي كلمتها حتى اهتزت المقبرة بالتصفيق »([24])«و كم تسعد عزيزة لهذه الجلسات فكوثر تكثر من الحديث عنها، وعن مواقفها وذكائها وخضوع الناس لها وخوفهم منها وتحس عزيزة نشوة كبرى وهي تسمع ذلك»([25]).
ثانيا: ممارسة السلطة: تفصح السلطة عن وجهها لأول وهلة من خلال لقب عزيزة الجنرال فلقب الجنرال يوحي بالدكتاتورية وممارسة فعل التسلط، وقد أسبغ عليها رهبة وسلوكا عنيفين لطالما شعر به من هم حولها، إضافة إلى امتلاكها المال الذي يشتري السلطة والمقطع التالي يعبر عن ذلك«إذا أردت قضاء مآربك فعليك بعزيزة الجنرال... هكذا يردد الجميع ... وهكذا يعتقدون أيضا... كلما ضاقت الدنيا بأحدهم هرع إليها، وهي تعرف الجميع، تمد خيوطها السحرية فإذا الحق باطل والباطل حق، وقد سماها الناس الجنرال لقوتها ولعلاقتها بالجنرال... والجميع يعرف أيضا أنها وراء وصول مختار الدابة ونصير الجان إلى كرسي البلدية لتسهل على نفسها تحقيق ما تريد هي أيضا كانت وراء سجن فاتح اليحياوي الذي حرض الناس ضدها وضد مختار الدابة بعد استيلائها على قطعة أرض وسط المدينة وعلى جزء من حديقة الأمير وعلى مدرسة ابتدائية صرح كذبا وزورا أنها مهددة بالسقوط»([26])، من خلال هذا المقطع تتكشف خطوط عزيزة المتشابكة والمنثورة في كل مكان، وكلما أحست بخطر أحدهم عمدت على الإيقاع به وبشتى الوسائل، وكأن بالكاتب يشرح لنا طبيعة هذا الانتماء البرجوازي، بصفته فئة اجتماعية يجب الحذر منها، وفعلا كانت عزيزة كذلك «كان فاتح اليحياوي في سنواته الأولى وقد عين أستاذا لعلم الاجتماع بالجامعة يفيض حماسا ويتدفق حيوية، فألهب العقول والقلوب.. وكانت (عزيزة)العقبة الكؤود التي تحدته واعتبرته خطرا عليها ومازالت خلفه حتى زجت به في السجن»([27]) وكان تصرفها مع كريم السامعي حقيرا عندما اتهمته بالقتل زورا بدلا من ابنها فواز وسرعان ما شعرت بخطر السلطة على ولدها أرسلت خيوطها السحرية ليتغير كل شيء«لقد أطلق سراح فواز معززا مكرما ووصل الضابط سعدون أمر بالانتقال إلى الصحراء، بعيدا عن مدينته بمئات الأميال ...وأدرك سعدون أن يد عزيزة أطول مما يتوقع وأن القانون فعلا تحت بعض الناس»(1) والمقطع يعبر عن نفسه.
و قد تكرر هوس الانتماء البرجوازي عند شخصية امحمد الملمد عندما استغل كل ما يملك من أموال ونفوذ لضرب الآخرين وامتلاكهم والظهور بشخصية الحاكم، الآمر والناهي.فهو يصف دنيا البرجوازية بقوله«هذه هي الدنيا... المال يشتري كل شيء وتحول الأسياد عبيدا... محافظ الشرطة هذا حينما عين كان لا يملك حتى ثمن ثيابه التي يرتديها... ومن خير غدا من أعيان البلد، يمكنه أن يجلس مع الأسياد وينادمهم... أنت وسيلتي لتحقيق الكثير»([28]) هكذا هوا لمال وسيلة لأجل تحقيق غايات عدة تحت غطاء البرجوازية القائمة على «التحايل، رشاوى بالملايين، مخدرات...»([29]).
إلا أن البرجوازية أخذت منحى آخر في شخصية سالم فرغم انتمائها إلا أنها متمردة ،تمردا فرديا ، وفي بعض جوانبها نجد لديها تعاطفا مع الآخر(الطبقة الفقيرة) لفقدها الحب والاستقرار، فسالم يشعر بالآخرين ويثبت شعوره فعلا ،كوقوفه مع بدرة زوجة ابنه وهي في مرحلة المخاض، حنينه للأرض والطبيعة وحبه للجمال.
و يمكن رصد جميع ردود فعل هذه الشخصية على مجموعة كبيرة من القضايا لكشف توجهها وإحساسها، وانتمائها البرجوازي، أمام هذه القيم. لقد اكتفت الشخصية بردود الفعل التالية:
أ -إنكسار الحلم([30]):
سالم شخصية مسالمة، حساسة، محبة، فأيام كان في أسرته «لم تكن عنده دارة ولا سيارة ولا تلفزيون، ولم يكونوا يأكلون على الطاولات والكراسي، ولا ينامون على الأسرة، ولكن كان للحياة طعم ومذاق وكان الحب الذي يحملونه في مخازن قلوبهم هو رصيدهم الأكبر...ورث أبوه عن جده الأراضي الشاسعة، قطعان الغنم، والبقر، وبقدر ما كان جده يحب التوسع في المال كان خيرا يفتح بيته وقلبه للجميع...الفقراء والمساكين وأبناء القبيلة... وكان يلقب بأبي الفقراء»([31]) .
في هذا الجو المشع بالحب عاش سالم معززا مكرما، إلى أن قرر والداه تزويجه من عزيزة التي لم تتزوج إلا ثروته، فانكسر كل حلم جميل في حياته، رغم امتلاكه المال، فالمال والبرجوازية لم يعنيا له شيئا في ظل غياب الحب، حبه القديم ذهبية بنت الطاهر التي أضحت مجرد حلم يسترجعه من دنيا عزيزة ومضايقاتها له ليتلاشى كلما اصطدم بواقع عزيزة الحقيقي حيث لا يستطيع التعبير عن رأيه ولا التحكم في زمام الأمور، هو مجرد تابع، خاضع لها. إذن هو يرفض هذا الانتماء البرجوازي الذي لم يجن عليه إلا سوء الحظ ووحدة وحزنا «تمنى لو كان مجرد فلا ح فقير يرعى شويهات ، ويأكل كسرة شعير تصنعها أنامل زوجته ...تمنى لو لم يكن أصلا في هذا الوجود...ما معنى أن تملك المال والعقار والمزارع ثم أنت لا تملك نفسك؟ ما معنى أن تأكل كل ما لذ وطاب، وتلبس أجمل الثياب وتركب أفخر السيارات ثم أنت مضطرب الروح والنفس؟»([32]).
ب-الإغتراب:
كل هذه الأسباب مجتمعة ،أوصلت سالم لحالة من الاغتراب الداخلي، سببه حرمانه من الحب الذي ذاب بين طيات البرجوازية وحب المظاهر«فقطع كل علاقة له بالعالم الخارجي بل وقطع كل علاقة له بعزيزة وبأسرته وبكل ماضيه»([33]) وظل يعيش حالما إلى أن مات الحلم الذي كان يعيش من أجله«انطفأ القلب الذي طالما نبض له حبا، مات القلب الذي طالما منحه الحياة»([34])، بذلك فالانتماء البرجوازي لم يعن لسالم شيئا طالما فقد أشياء.
4- شخصية المرأة، زوجة، حبيبة، .... ومومسا:
يتجلى موضوع الصراع القيمي من خلال أعمال جلاوجي فتتسع وتتضح فكرة المرأة وكأن بالكاتب يبدي اهتماما خاصا بها فهي تتكرر في أعماله وهي ملهمته، إنه يقدم الأوجه المختلفة لها حتى لا يكون حكم القارئ عليها اعتباطيا ومجحفا وإن كانت«محفزا سرديا نحو التحول السالب والانقلاب ألقيمي والسلوكي»([35]) يقول الكاتب: «إلى متى تفتحين، ذراعيك للبلهاء...؟؟...إلى متى ترضعين الحمقى والأغبياء...؟؟ إلى متى أيتها (...)تمارسين العهر جهارا دون حياء...؟»([36]).
قد أخذت المدينة هنا صورة المرأة المومس وقد تمثلتها، كما تمثلت في شخصية الحلوة التي هامت « على وجهها تبيع جسدها مومس على قارعا ت الطرق»([37]) وهي لعلوعة الراقصة التي «ملكت على الجميع نفوسهم وقلوبهم، وشغلتهم بجمالها، فصارت حديث مجالسهم وسمرهم... وصارت محج الولاة والوزراء والجنرالات والأثرياء»([38]).
إلا أن لكل شخصية مبررات جعلت منها امرأة مومسا، وقلبت موازين الأخلاق، جعلت منها امرأة ضحية. أنظمة حكم فاسدة استغلتها لخدمة أغراضها الشخصية ، وانقسامات وتكتلات حزبية«و لكن لماذا سمح الغراب والسيد نعل أقصد لعن بهذه الجريمة النكراء؟ لقد كان وأتباعهما فارحين... وهم يقدمون شرف المدينة دون خوف أو وجل»([39]). ضحية انقسامات طبقية وظروف معيشية قاهرة «و تذكر لعلوعة ذلك الصباح الذي كانت برفقة أمها في السوق، تجمعان فضلات الخضر والفواكه...»([40])أو ضحية عدم رقابة أبوية أو فقدان أحد الوالدين«لكن إبراهيم لم يستطيع فرض سيطرته على الحلوة إذ ما فتئت أن كسرت ذلك الطوق عليها وأصبحت تأخذ زينتها وتخرج متى شاءت متنقلة بين الحمامات والحلاقات والأعراس... وكثر الحديث عليها حقا وباطلا ... بل ورآها البعض تركب السيارات الفخمة مع الغرباء»([41]).
فكل هذه الظروف مجتمعة كانت بمثابة تمهيد لطريق غير سوي سرعان ما يدفع بالمرأة نحو الانحراف. ولأن (المرأة) مؤشر الخطيئة ليست النوع الغالب، مادامت الحبيبة الوفية الطاهرة النقية التي تسمو إلى درجة الحلم، فتبدد بلمسة منها كل ظلمة، وتمسح كل دمعة«كفكفي مني دموعي»([42]) وتشفي كل جرح «بلسمي مني الجروح»([43]) وتضمد كل قلب «ضمدي من قلبي القروح»([44]) وهي الأرض المحبوبة عندما تسمو بحبها وتتحد دلالاتها بالوطن وبكل غال ممثلة بشخصية الجازية
كتبها عزالدين في 08:02 مساءً ::
الاسم: عزالدين
