نسمات

الخميس,أيار 15, 2008


بلاغة السخرية في رواية رأس المحنة

د. بوشعيب الساوري

1- تقديم

لكل عمل روائي بلاغته ونعني بذلك الإواليات البنائية التي يسخِّرها الروائي لتشكيل عالمه الروائي وتبليغه إلى المتلقي وإقناعه والتأثير عليه1، كل ذلك في ارتباط كلي برؤية الكاتب للعالم، دون أن ننسى خصوصيات الجنس الروائي.

وتبعا لذلك، لم تعد السخرية(L'ironie) مجرد ظاهرة أسلوبية أو إجراء كوميدي داخل العمل الأدبي، وإنما لها حضور عميق داخل الأعمال الأدبية وخصوصا النص الروائي، وذلك في تساوق مع بعض النظريات المؤسسة في الرواية التي أكدت على أن السخرية مكون جوهري داخل الأعمال الروائية.

 ونخص بالذكر نظرية لوكاش، الذي أكد أن السخرية هي روح الأعمال الروائية، فهي البنية الناظمة لها؛ وفي تحديده لها يشير إلى أنها كلمة تدل على "الحركة التي تعرف بها الذاتية نفسها وتلغي بها نفسها. وتدل السخرية، من حيث هي مكون للجنس الأدبي الروائي، على أن الذات المعيارية والمبدعة تنشطر ذاتيتين: إحداهما هي تلك التي تجابه، من حيث هي طوية، القوى المركبة الغريبة عنها، وتجهد في سبيل جعل محتوياتها نفسها تخيم على عالم غريب، والأخرى هي التي تكتشف الطابع"  التجريدي لعالمي الذات والموضوع، وبالتالي طابعهما المحدود."" 2  فتظهر الرواية المفارقة ما بين وعي الذات وواقعها، وهذه المفارقة هي التي تخلق السخرية والقلق والتوتر داخل العمل الروائي. ويقول كذلك:" السخرية هي التصحيح الذاتي للهشاشة." 3

 وكذلك نظرية باختين بخصوص الرواية المتعددة الأصوات(Roman Polyphonique) والتي تجسدت في أعمال دوستويفسكي الروائية التي اعتبر فيها الحوار السقراطي عنصرا مؤسسا والذي يعود إلى أفلاطون، وكان بطله سقراط الذي كان يتظاهر بالجهل، ويسأل أناس مفروض فيهم معرفة بعض القيم (قضاة، معلمون، رجال دين...) عن بعض القيم، ويستخلص حقائق ذات طابع مثالي كلي(مفاهيم مثل الخير، الشر، العدالة، الجمال...). كما يتأسس الحوار السقراطي على البحث عن الحقيقة وتوليدها من الحوار، لا ادعاء امتلاكها4. وذلك عبر استفزاز الخصم وإجباره على إبداء رأيه، عبر أسلوب التهكم. 5  كما كانت السخرية عنده نمطا للوجود، ومنهجا فلسفيا سمي بفن التوليد(Maieutique) توليد الحقيقة عبر الحوار التهكمي.

بل إن السخرية قد صاحبت ميلاد الرواية، فرواية دون كيشوت التي تعد الرواية المؤسسة للجنس الروائي هي رواية ساخرة، والتي تتأسس على التناقض بين شخصية دون كيشوت وخادمه سانشو.

لقد وجدنا صعوبات كثيرة في تحديد مفهوم السخرية، سواء في اللغة العربية أو لدى الثقافة الغربية؛ ففي اللغة العربية وجدنا أن مفهوم السخرية يتداخل مع الهجاء والتهكم والهزل والفكاهة والتندر والطرفة(لسان العرب، باب سخر) 6. وكذلك في الثقافة الغربية ظل المفهوم مطاطا يختلف مدلوله من عصر لآخر ومن بلد لآخر، بل بين ناقد وآخر، ويعبر عن ذلك مشال لوغيرن قائلا: "إنها ميدان شاسع حدوده غير موضوعة بدقة، والكلمات داخله خادعة." 7

وتجاوزا لهذه المشكلة، وانطلاقا من تجلياتها في النصوص الأدبية وكذا ملاحظات الدارسين، تبين لنا أن الحديث عن السخرية يتطلب استحضار الخصوصيات التالية:

-     السخرية وسيلة إجرائية يعبر بها الكاتب عن رؤيته للعالم. 8

-     السخرية أداة لكشف المفارقات داخل الواقع، وإدانة وازدراء التمايزات الملموسة داخله. 9  بل تتأسس هي عينها على التقابلات والتعارضات.

-     وتصبح تبعا لذلك أداة لفضح مفارقات الواقع وتناقضاته.

-     السخرية أداة إضحاك. 10

- السخرية أداة للنفي سواء بشكل مباشر أو بطريقة مقنعة؛ إذ يُعد النفي بعدا أساسيا من أبعاد السخرية.11

- وكذلك الاستفهام يصير بدوره آلية من آليات السخرية، عندما يتخذ طابعا استنكاريا، يعبر عن عدم توافق الواقع مع تطلعات الذات.

- أداة للمقاومة النفسية، لأنها تهاجم12 ، ولا تهادن التناقضات والمفارقات.

- عين للنقد، إذ تتطلب من الإنسان قدرة كبيرة على النقد والتفكير. 13

تؤكد كل هذه الخصوصيات على أن السخرية أداة إجرائية لتحقيق بعض الأهداف من الخطاب(الفضح،النقد، الإدانة، إظهار التناقضات، المقاومة، النفي، الاستفهام، الإضحاك.) لكن السخرية لا تتوقف عند كونها أداة بل تتعدى ذلك لأن تصير عنصرا أساسيا داخل العمل الروائي وناظما له، تسهم في بناء المتخيل ورسم الشخصيات وتؤثر في طريقة السرد، وكذا الوصف والحوار.

لا أسعى في هذه القراءة إلى تقديم قراءة جديدة لرواية رأس المحنة14 بقدر ما أسعى، بنوع من التدقيق، إبراز حضور السخرية وتجلياتها فيها وكيف تكون السخرية هي رهان كتابة الرواية، من خلال إسهامها في بناء الشخصية، والوصف، وبالأخص وصف الشخصيات أثناء تصادمها وصفا يرتكز على الرسم الكاريكاتوري، وبناء المكان والزمان.

والرؤية التي تحكم حضور السخرية في رواية رأس المحنة هي اتخاذ عزالدين جلاوجي موقفا من الوضع الراهن بالجزائر وفاعليه وخطابه؛ سواء الخطاب الرسمي أو الخطاب الإسلامي. فيحاول أن يظهر الواقع في تناقضاته والكشف عن تركيبة الواقع المتناقضة، فكان الأسلوب الساخر هو الأقرب إلى تشخيص ونقل ذلك الواقع، فلا يقدمه كما هو، وإنما في صورة باعثة على السخرية، فليس هدفه هو الإضحاك وإنما تشخيص الواقع وإظهار تناقضاته وهنا تؤدي السخرية وظيفة إدانة الواقع. 15  لا يتعلق الأمر بسخرية مباشرة، وإنما بأسلوب ساخر يستمد مشروعيته من أحد أسس الجنس الروائي ألا وهو رصد مفارقات الواقع وإشكالاته. كما أن الأسلوب جزء من رؤية الكاتب للعالم.16 فهو بالضرورة مكون بنائي داخل العمل الروائي له تأثيره على ثوابت النص الروائي، من سرد ووصف وشخصية وزمان ومكان. فتغدو السخرية لديه إوالية إنتاجية على مستوى الدلالة التخييلية. ستضطلع هذه الورقة بإبراز كيف تؤثر السخرية في البناء العام لرواية رأس المحنة.

2- السخرية والمفارقة

يعد التوتر أحد الشروط المتحكمة في الرواية17، لأنه واحد من المكونات الجوهرية التي ينبني عليها جنس الرواية، وهو علامة فارقة في إنتاجه.

 تستجيب رواية رأس المحنة لهذا المطلب استجابة كلية، وذلك بهيمنة وحضور بنية السجال والمفارقات داخلها، في ارتباط بالمكون البنائي الموجه للعمل وهو السخرية. فعلى مستوى المكان هناك سجال القرية والمدينة، سجال حي الحفرة مع الأحياء الراقية. وعلى مستوى الزمان التوتر بين الماضي والحاضر. وعلى مستوى الشخصيات هناك صراع بين صالح ومن معه من المخلصين والفقراء والضعفاء وبين امحمد وأعوانه.

2-1- المفارقات المكانية

 هناك علاقة توتر ومفارقة على مستوى حضور المكان في الرواية وخصوصا على مستوى ثنائيتين؛ القرية والمدينة كمفارقة كبرى ناظمة لحضور المكان، حاضرة من بداية النص إلى نهايته، حي الحفرة والأحياء الغنية، تظهر أثناء توغلنا في السرد، خصوصا بعد طرد صالح من العمل، وانتقاله إلى حي هامشي على أطراف المدينة.

2-1-1- القرية /المدينة: المفارقة بين عالم القرية ببراءته ونقائه وبساطته، وبين عالم المدينة الملوث بالغدر والخيانة الذي كان فضاء لاتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء. وتحضر هذه المفارقة عبر شخصية صالح الذي فشل في الاندماج داخل المدينة، بعد أن دخلها تحت إلحاح أصدقائه ولم يرتح إلا بالخروج منها وبالعودة إلى القرية. وتتمظهر في النص من بدايته إلى نهايته، وذلك في صورة جعل فيها المدينة، سالبة للقيم النبيلة التي كانت بالقرية، فإذا كانت القرية مكانا للصفاء والنقاء والأمن والحياة. يقول:"هنا في القرية لا يخشى أحدنا إلا ربه."(ص.204.) فإن المدينة مكان للخوف وللتلوث والفساد. يقول صالح متوجسا:"" أنا خوَّاف.. أخاف المدينة.. المدينة عاهرة فاجرة ستفسدني.. تبدلني.. تغيرني.. تبلعني.. المدينة ياناس قذرة وسخة ستوسخني.."(ص.23.) فأطلق عليها العديد من الأوصاف السلبية التي ليست محايدة والتي تعبر عن موقف الشخصية من المكان. ويحضر التقابل بشكل ضمني بينها وبين القرية. يقول:"

-"المدينة كابوس..."(ص.51.)

-"هذه المدينة عاهرة شمطاء." (ص.67.)

-"رهيبة بها كل شيء مفزع." (ص.173.)

-"" الأزقة ضيقة.. الجدران سوداء.. الأرض مفعمة بالجرب.. كلاب راقدة قريب منها قطط.. لحظات شاهدت سكران يبول في الطريق.. لحقه آخران معربدين.. رائحة الخمر تملأ الهواء.. كل شيء متعفن.. سجن في سجن.."(ص.39.)"

وأحيانا يحضر التقابل في جملة واحدة، عبر استخدام التقاطبات المكانية التي تعمق المفارقات. يقول:" أنا هنا سعيد وآمن... لم أعد أثق بالمدينة." (ص.204.) ويقول كذلك:"" هابيل هنا(بالقرية) يزرع الحياة.. قابيل هناك(بالمدينة) يزرع الموت.""(ص.203.)

2-1-2- حي الحفرة /الأحياء الفقيرة: لا يحضر هذين المكانين معا إلا وهما في حالة توتر وصراع وتصادم، يفسر المفارقات بينهما. فنلحظ المفارقة انطلاقا من تسمية حي الحفرة يقول: " لماذا هي حفرة وليست ربوة؟ وما الذي يمنعنا من أن نجعلها ربوة.""( ص. 185.) الحي الذي تزداد مشاكله يوما عن يوم التي:"" صارت لا تعد وليس من السهل التصدي لها مطلقا.. اختفاء الحلوة.. اغتيال عبد الرحيم.. انطواء إبراهيم.. فرار أبي صالح.. انقطاع أخبار ذياب.. وسفر الجازيه.. قتل السيد المفتش وعمي السعيد.. قتل عمي الهاشمي وابنه بعد صعود ابنه صلاح الدين إلى الجبل وانضمامه إلى الجماعة الإسلامية المسلحة.. ومن أين يبدأ حل كل هذه الهموم؟"(ص.187-188.) ويقول كذلك:" "ولعلك تلاحظ معي كيف أن كل الأحياء تزداد رقيا وتحضرا وتزداد حارتنا تعفنا وتخلفا.. "(ص.189.)" كما يحضر التوتر عبر التصادم بين شخصيات منتمية إلى المكانين:"أبناء حارة الحفرة ليس لهم ما يخسرونه...لقد استأثرت أحياء الأغنياء بكل شيء."(ص.157.) ويقول:"" هل تعرف أن هذا الغبار الذي يلتصق بنا يأتينا من أحيائكم الفقيرة؟ يجب أن نطالب الدولة بنصب سور بيننا وبينكم.. "(ص.77.) ويقول كذلك:" الحلوة بالنسبة لسكان حارة الحفرة الشمس التي يتباهون بها أمام أبناء الأحياء الراقية.. حتى إذا افتخروا عليهم بما عندهم من مرافق قالوا بتعال: وهل عندكم مثل الحلوة؟ "(ص.100.)"

2-2- المفارقات الزمنية

وتحضر على مستويين:

2-2-1- الخاصة( زمن الثورة وراهن الجزائر) وتحضر هذه المفارقة انطلاقا من شخصية صالح الذي عاش الفترتين معا، بين قيم أصبحت في عداد الماضي وقيم تتجدر يوما عن آخر، المفارقة ما بين زمن الثورة وزمن الاستقلال. يجد صالح، الشخصية الرئيسية في الرواية، أن زمنه قد ولى، ولا جدوى من بقائه. يقول:"" كان علي أن أموت حين مات رفاقي في الثورة.. حين مات الرجال الكبار.."(ص.73.) فيغدو زمن الثورة رمزا للنقاء والصفاء والمحبة، في مقابل الحاضر زمن الغدر والخيانة ونكران الجميل. يقول صالح:" توجهت إلى السماء.. يا رب لم تركتني لهذا الزمان الحقير؟ يا رب لم خلفتني لهذا الجيل المنحوس..؟ "" (ص.42.)

كما تسائل الرواية الراهن بكشف خدع الاستقلال. يقول:"" رجعت إلى البيت ليلا يفترس القلق قلبي.. وفي نفسي كنت أردد.. هل خدعونا حين أوهمونا أننا انتصرنا على الاستعمار؟.. "(ص. 38.) وذلك من خلال القلب الدلالي الذي يشمل اسم البطل صالح الذي كان يلقب في زمن الثورة بصالح الرصاصة، وفي زمن ما بعد الاستقلال بصالح المغبون، وهو بالفعل وجد نفسه مغبونا فكل أحلام الثورة تبخرت، وكلما كان يحلم به انسكر على أرض الواقع. فيعيش الوعي الشقي، بين الإخلاص لزمن الثورة ومسايرة تشوهات ومسوخات الراهن. وأمام تعفن الراهن، يجد نفسه مرغما على الارتماء في أحضان الماضي والاحتماء بها، وإن كان في ذلك قفز على الواقع، وفي ذلك تجسيد ظاهر للمفارقة التي تقود إلى السخرية."

ويحضر كذلك التقابل من خلال شخصية منير بين حاضره الآني المأزوم وبين طفولته فيستنجد بالماضي الطفولي ويحتمي به من حاضره الملوث. يقول:" وبت أحلم بنانَّا وأيام الطفولة والبراءة والنقاء.. "(ص.177.)

المفارقة بين جيلين بين جيل الثورة الذي استطاع أن يخرج المستعمر ويحرر البلاد وبين جيل الراهن الذي تغلبت عليه المشاكل وتقزم أمامها، وعجز عن تغيير واقعه. يقول صالح ""جيلنا أدى واجبه.. جيلكم جيل منهزمين لم يواصل المسيرة.."(ص.121.) يقول عبد الرحيم مشخصا هذه المفارقة:" دائما ينظر والدي إلى جيلنا نظرة سوداوية.. دائما يتهمنا بخراب الداخل مقابل تعمير الخارج.. نحن في رأيه جيل أخذ كل زمام المعرفة وحصل على كل ملذات الحياة المدنية لكنه في المقابل فقد كل شيء جميل."(ص.205.)"

2-2-2- العامة(التاريخ العربي والراهن العربي): المفارقة ما بين الماضي والحاضر. وتحضر هذه المفارقة عبر شخصية منير الذي يرمز للمثقف العربي، يستحضر منير الماضي المضيء في مقابل الحاضر العربي المأزوم:"" وتذكرت البذرة الأولى في الحكم العربي التي بدأت تنبت في الصحراء العربية منذ قرون حين أعلن أبو بكر الصديق الخليفة الأول في رعيته جميعا "إذا رأيتموني على باطل فقوموني.. فيقول له عمر: والله لو رأينا فيك باطلا لقومناك بحد سيوفنا فيفرح الخليفة أن وجد في شعبه من يجرؤ على ذلك.."

وتذكرت هذه البذرة حينما قال عمر لأمير جنده في مصر وهو يأمر المصري الفلاح الفقير بضرب ابنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" ما أجملها نظرية في علاقة الحاكم بشعبه لو استمرت! أما الآن فقد خان الجميع.. "(ص.108.)"

2-3- المفارقة بين الشخصيات

المفارقة بين امحمد املمد الذي يزداد نفوذا وتسلطا، نظرا لماله، والمتعاونين معه، وبين شخصيات حي الحفرة المغلوبة على أمرها، وعلى رأسها صالح، ذلك التباين الذي يعمق يوما عن آخر. يقول:"" ظلم طبقة تغتني بطرق ملتوية وتكنز الذهب والفضة لطبقة أخرى خانتها ظروفها أو سارت على الطريق السوي فبقيت أقل من الأولى.. "(ص.186.) فيضعنا عزالدين جلاوجي أمام صراع طبقتين اجتماعيتين، صراع مشحون بالتوتر، طبقة مسندة إلى ثروتها ومالها ونفوذها ووساطتها على الرغم من قلة من يمثلونها داخل الرواية. تحاول إخضاع فئة لا تملك سوى حب وطنها والإخلاص له وللمبادئ السامية. يقول:" ماذا بقي لحارة الحفرة وناسها البسطاء غير أن تنتهك حرماتهم؟ في المجتمعات الفقيرة يتآزر أولو الأمر والنهي مع الأغنياء على ابتزاز الفقراء."(ص.42.) . يقول امحمد املمد مستفزا عبد الرحيم:" هذا أنت عبد الرحيم..؟ أدلكني جيدا لا تترك ذرة غبار واحدة.. هل تعرف أن هذا الغبار الذي يلتصق بنا يأتينا من أحيائكم الفقيرة؟ يجب أن نطالب الدولة بنصب سور بيننا وبينكم.. " (ص.77.)"

إنه تقابل وتصادم بين شخصيات مخلصة لمبادئها وأخرى تفعل كل ما يمكنها من أهدافها الدنيئة، وذلك في إطار إشكالية مؤطرة يعيشها المجتمع الجزائري هي عدم التمييز بين المجاهدين الحقيقيين والمزيفين الذين استفادوا من امتيازات ما بعد الاستقلال، وهي الإشكالية التي هيمنت على أغلب النصوص الروائية الجزائرية.

 استمرار الصراع حتى ما بعد الاستقلال ما بين فئة المخلصين للوطن والخونة وأعداء الوطن. فبعد أن تمكن الأوائل من الانتصار للوطن، تم تهميشهم في زمن الاستقلال. وفي الوقت الذي يتنعم فيه الخونة بخيرات ما بعد الاستقلال، صانعو الاستقلال يعيشون مذلة ومهانة وتهميشا وإقصاء.

3- السخرية وبناء الشخصية

تطلب تشخيص الراهن من الرواية حضورا مكثفا للشخصيات من أزمنة مختلفة ومن فئات عمرية مختلفة، ومن طبقات اجتماعية مختلفة، وكذلك من فئات اجتماعية متباينة، مما أفرز تنوعا في الشخصيات الروائية أساسه التقابل ؛ فعلى مستوى الأجيال(جيل الاستقلال، جيل ما بعد الاستقلال.) وكذلك على مستوى الوضع الاجتماعي، (فقراء، أغنياء)، والوضع الاعتباري، (مقاومين، خونة). لكننا سنركز على ما تحمله الشخصية من مفارقة وسخرية بمفهوم لوكاش. إذ تساهم السخرية في بناء الشخصية، إذ تصبح الشخصيات موضوعا للسخرية، وذلك برصد المفارقات الوجودية والنفسية والاجتماعية التي تعيشها داخليا.

 أ- صالح: الشخصية الأساسية في الرواية يسخر منه الراهن بشخصياته وحياته الجديدة، ويتحول من صالح الرصاصة إلى صالح المغبون. فيبدو شخصية مفارقة(صالح الرصاصة/ صالح المغبون) فهناك مفارقة بين اللقبين، التي تقود بالضرورة إلى مفارقة بين وضعين، وبين زمنين، وبين منظورين؛ فصالح الرصاصة مرتبط بسياق وزمن ومخاطبين من نمط معين(زمن الثورة)، وصالح المغبون كذلك مرتبط بسياق ومخاطبين من نوع خاص(زمن الاستقلال). يقول:""كنت صالح الرصاصة يوم كان الرجال رجالا.. فلما تحررت البلاد أسموني صالح المغبون.. وفي آخر عمري صرت صالح المجنون."(ص.47.) مما يجعل شخصيته مفارقة تعيش الوضعين معا، على الرغم من كون الشخص لم يتغير. مما يجعل القارئ يتلمس التعارض بين الشخصية الأولى بسياقها، مع الشخصية الثانية بسياقها، مع هيمنة الشخصية الثانية، ومحاولة الشخصية الأولى استعادة ذاتها والاستمرار في الزمن الثاني، مما يجعل الرواية ذات طابع إشكالي مفارق. يعيش صالح مفارقة ما بين ذكريات الثورة وحاضره المأزوم الذي وجد فيه نفسه على الهامش. يقول:" كنا نقتسم التمرة الثلاثة والأربعة.. ونقتسم الرصاصة والدمعة.. ونقتسم الابتسامة.."(ص.19.) تغير الناس وبقائه على حاله. يخاف على نفسه أن تلوثه المدينة. فبمجرد دخوله المدينة تبدأ مشاكله وصدماته:" وصدمت.. بعد ما كنت أنتظر الشكر والاعتراف واحترام الجميع تلقيت عكس ذلك تماما.. "(ص.30.) فتتعمق لديه المفارقة بين ماضيه الجميل وحاضره المخيب للآمال. فبمجرد دخوله المدينة سيبدأ الوعي بالتناقض:" دخولي المدينة كشف لي زيف الواقع.. "(ص.33.) فوجد نفسه في مواجهة مدير المستشفى، أحد الوجوه الجديدة للاستعمار، عبر اكتشافه للمفارقات داخل المستشفى، محاولته مواجهة الوضع لكن مدير المستشفى نعته بالجنون وطرده من العمل. يقول:" وفصلوني عن العمل.. طرقت كل الأبواب.. اشتكيت للمسؤولين.. كتبت للجهات الرسمية وغير الرسمية.. كلهم اتفقوا على أنني مجنون ولا أصلح للخدمة.. حز ذلك في نفسي.. كنت صالح الرصاصة يوم كان الرجال رجالا.. فلما تحررت البلاد أسموني صالح المغبون.. وفي آخر عمري صرت صالح المجنون."(ص.47.) ثم بعد ذلك ترحيله إلى حي الحفرة (حي هامشي)، فتطرده المدينة فلم يعد صالحا:" مع إشراقة شمس الغد انتقل عمي صالح مع أسرته إلى حارة  الحفرة بعد أن لفظته المدينة على أطرافها الفقيرة.."(ص.60.) فيزداد لديه الوعي بالمفارقة، فرجال الثورة يعيشون في الهامش وأبناء الخونة يتنعمون بالخيرات. يقول:" لم نرثها نحن.. بل ورثتها طبقة لسنا ندري علاقتها بالثورة.. "(ص.62.) يقول مستفهما ومستنكرا:" رجعت إلى البيت ليلا يفترس القلق قلبي.. وفي نفسي كنت أردد.. هل خدعونا حين أوهمونا أننا انتصرنا على الاستعمار؟.. "(ص.38.) فيهرب إلى الماضي ويحتمي به." اسمحوا لي.. اسمحوا لي.. لم تركتموني وراءكم وحدي.. حرام عليكم.. لم هربتم علي؟ ألم نكن جسدا واحدا.. روحا واحدة؟ لقد بقيت وحدي.. من يقف معي في هذا المدينة المتوحشة؟ عجزت.. ما قدرت أن أواصل المسيرة.. الطريق صعبة.. ملآنة بالأشواك والمطبات.."(ص.40.) فيعيش المفارقة بين زمنين زمن النقاء والصفاء والإخلاص للمبادئ والوطن، وزمن الخيانة وعدم الاعتراف بالجميل:" كنتم تسمونني صالح الرصاصة.. هم الآن أسموني صالح المغبون.. صالح المجنون.. صالح.. صالح الغبي ما رأيكم؟ أنا الذي كان الجن يخاف مني.. العفريت ترتعد فرائصه لما أطل.. أنا الآن يا إخوان صالح المغبون.. صدقوا أو لا تصدقوا أنا صالح المغبون.. صالح المغبون.. "(ص.40.) فيتساءل ويستنكر:" يا رب لم تركتني لهذا الزمان الحقير؟ يارب لم خلفتني لهذا الجيل المنحوس..؟"(ص.42.)"

وتوالت انكساراته بعد مقتل ابنه عبد الرحيم على يد الإرهاب الأعمى، ومرض زوجته، وإهانته المتكررة من قبل امحمد املمد ابن أحد الخونة إبان الاستعمار، الذي طمع في الزواج من ابنته الجازية رغبة في الانتقام لوالده.

 فيعي أن زمنه قد ولى:"" كان علي أن أموت حين مات رفاقي في الثورة.. حين مات الرجال الكبار.."(ص.73.) ويجد نفسه مضطرا للعودة إلى القرية، متأكدا أنه غير قادر على الاستمرار في هذا المكان الملوث(المدينة.)"

ب- صلاح الدين: شخصية تحمل مفارقة فالاسم يحيل القارئ على شخصية صلاح الدين الأيوبي الشخصية البطولية التي حاربت الأعداء، بينما الشخصية الروائية هي شخصية تقدم صورة معاكسة، فهي شخصية جبانة قاطعة طريق تقتل الأبرياء وتنخرط في الإرهاب الأعمى، وتنتهي بالموت على يديه. إذ كان مجرد لعبة في يد الإرهاب فيقتله "أصحابه". يقول مجسدا هذه المفارقة:"" وتحول ابنه صلاح الدين السلفي أو أبو مصعب كما كان يلقبه أتباعه من خضار.. إلى داعية.. إلى إرهابي.. إلى مقتول."(ص.95.)"

ج- امحمد املمد ابن خائن(حركي): لكنه اغتنى بعد الثورة، يحاول الانتقام لمقتل أبيه الخائن إبان الثورة، يتظاهر بفعل الخير، الذهاب إلى الحج، ويغتصب فتاة قاصر، يبتز الناس له علاقات مشبوهة مع الأعمال الإرهابية. من دوافع السخرية الميل إلى تصوير الإنسان في تعقد دوافعه وبواعثه السيكولوجية التي لا قيمة لها وذلك بتحولها إلى ملهاة18 شخصية امحمد املمد التي تتظاهر بفعل الخير والصلاح وهي في الواقع تقوم بتخريب المجتمع ولها يد في الإرهاب. يقول:"" منافق يمارس الإرهاب ويتهم الناس به.."(ص.175.)" التعارض بين الظاهر والطوية. يقول منير مستنكرا:"" الحاج؟ متى حج هذا نجس؟""(ص. 162.) ويقول امحمد املمد عن نفسه:"" أعظم حاج في الدنيا أيها المنافق وأنا لم أحج بعد؟ وأنا أسكر معكم حتى أرى الديك حمارا؟"(ص.170.)"

د- منير: يمثل صورة ساخرة عن وضع المثقف المتمسك بالماضي العاجز عن التفاعل مع الحاضر. شخصية كثيرة الاستفهام والتساؤلات، تحتمي بالماضي أمام فراغ الحاضر. ظل متمسكا بمجموعة من القيم لكنه لم يستطع ترجمتها على أرض الواقع، ليعكس أزمة المثقف وتراجعه أمام قوة الواقع وخيباته. يقول عبد الرحيم مخاطبا منير:"" يا منير متى تفطن لحالك؟ الناس يعيشون الواقع وأنت تحلم بحياة وسط الأوراق.. حدثني عن الواقع."(ص.69.)" حاصل على شهادة جامعية ويبيع الكتب. يقول عبد الرحيم مخاطبا والده صالح:"" هاهو منير متخرج من الجامعة ماذا فعل بالشهادة التي يحملها؟ لا يكاد يكسب قوت يومه.."(ص.90.)"

هكذا يدعو عزالدين جلاوجي القارئ إلى السخرية من شخصياته، عبر التركيز على المفارقات التي يلتقطها، وتعيشها الشخصية داخليا، وتتعمق هذه السخرية أثناء عملية  الوصف، بالأخص عندما تتبادل الشخصيات وصف بعضها البعض.

4- السخرية والوصف

تتأسس السخرية الوصفية على الأسلوب الاستعاري المستند على الرسم الكاريكاتوري للشخصيات.

  إذا كانت السخرية في رواية رأس المحنة تقوم على رصد المفارقة بين زمنين زمن الثورة وزمن ما بعدها، ذلك التوتر الذي يقود إلى صراع بين طبقتين اجتماعيتين، فقد انعكس ذلك على الوصف، فغاب الوصف المحايد وحضر الوصف الموشوم بالإيديولوجيا، وكما يقول محمد نجيب العمامي:"فالوصف يرتب ويصنف ولا يكون أبدا محايدا، وهو يشف دوما عن وجهة نظر ما ويدرج قيما."19 ويحضر الوصف في الرواية ملتبسا بالإيديولوجيا خصوصا الوصف الساخر (أسلوب السخرية الوصفية) ، فيطلع الوصف بوظيفة تقويمية، وذلك بإصدار الواصف موقفه من الموصوف. سمح بذلك جو التوتر الذي ساد بين الشخصيات، خصوصا بين صالح ومن يأتي في صفه(منير، الجازية، عبد الرحيم، ) وبين امحمد املمد ومن على شاكلته (مدير المستشفى). كما أن الوصف الساخر اطلع بوظيفة المقاومة، إذ اعتمدته الشخصيات كآلية دفاعية أمام الخصم، خوصوصا وأن الوصف يحضر في هذه الرواية أثناء لحظة التوتر بين الشخصيات.

 يتعلق الأمر بصور الشخصيات في نظر بعضها البعض، وذلك من خلال بعض الأوصاف التي تلصقها الشخصيات ببعضها البعض. يقول صالح عن امحمد املمد:"" ونزل خلفي يتبعني كالكلب."( ص.83.) ويقول أيضا:" رأيته أشبه بخنزير أليف.. "(ص.83.) ويقول امحمد املمد عن صالح:" خرج صالح من مغارته كالشبح وقد اشتد سواده وتلألأت عيناه كأن إسهالا داهمه عاما كاملا.."(ص.82.) وصف محكوم بطابع ساخر مفعم بالتوتر والعنف اللغوي الذي يركن إلى السخرية."

     تم اعتماد السخرية أداة لوصف الشخصيات بطريقة هزلية انتقادية كاركاتورية. وخاصة"في بعض الصور اللغوية المستمدة من المجال الحيواني ترقى الكوميديا إلى الكاريكاتور لتطور نحو المفارقة المضحكة."20 فيشتغل الوصف عبر استعارة أسماء الحيوانات، المفعم بالعنف والذي يضطلع بوظيفة وهي المقاومة النفسية."" وقام المدير كالديك "(ص.37.) ويقول كذلك:" كان الزبون طويلا عريضا متشحما كجثة فيل ينبطح على بطنه.."(ص.75.) وأحيانا يصل الوصف الساخر ليتداخل مع الكاريكاتور. " تبين لي من ملامحه أنه شيطان.. لحية مبعثرة كلحية التيس.. وعينان تزيغان يمينا وشمالا كعيني إبليس. "(ص.141.)"

    الوصف الذي يبرز المفارقة بين الماضي والحاضر:"" ومديرنا هذا وطني حقا لما عينوه كان كسلك الحديد.. كأنه مستورد من أثيوبيا.. البذلة الرمادية وحدها تمشي.. اليوم صار بضخامة ثور يكاد يسقط للخلف.. سرواله القديم لا يسع إصبعه.. "(ص.32.) فالوصف ليس محايدا وإنما يحمل داخله التوتر والمفارقة تقول الجازية عن امحمد املمد:" عند الباب وجدت رجلا في انتظاري.. لبست مئزري وعدت إليه.. كان في العقد الرابع من العمر أو أكثر بقليل.. ممتلئ الجسم أشقر اللون أخضر العينين يميل إلى الطول.. عليه ثياب أنيقة لكن كلامه ينم عن أميته."(ص.35.)"

هكذا يغدو الوصف خادما للسخرية مسهما في بنائها. فلا يضطلع بوظيفة تزيينية، وإنما بوظيفة تقويمية تجسد التوتر الذي يعرفه عالم الرواية، فحضر الوصف مرتبطا بحالة الشخصيات المتوترة، وموسوما بانفعالاتها وتفاعلها مع بعضها البعض.

5- السرد الساخر

تقدم رواية رأس المحنة قراءة جريئة للوضع الجزائري، من منظور روائي يكشف عن المسكوت عنه، ويجعله يظهر في السطح. بتشخيص الراهن، البطالة، الفوارق الطبقية، الإرهاب، الفقر، الرشوة، المحسوبية الوصولية وغيرها من المفارقات التي يحبل بها الراهن الجزائري.

هناك سمة لافتة يتميز بها السرد وهي تعدد الأصوات السردية، إذ جعل الشخصيات الروائية تتولى السرد بنفسها، تقدم شهادتها، لا تتولى الشخصيات السرد إلا من داخل ورطة معينة، لذلك غالبا ما يأتي سردها على الرغم من مونولجيته مفعما بالحوارية والتوتر، يعكس ذلك توتر وعي الشخصية، وتداخله مع أوعاء الآخرين، انسجاما مع الطابع السجالي الذي يحكم بنية الرواية، وكذلك يسجل السخرية الداخلية لكل شخصية. فتطال السخرية كذلك السرد، فيغدو بدوره ساخرا. وذلك من أجل إعطاء صور قريبة لمواقف الشخصيات، وإبراز كيف تتفاعل الشخصيات مع الوقائع والمواقف. وفي بعض الأحيان نجد داخل فصل واحد تناوبا بين ساردين أو ثلاثة وذلك من أجل إبراز درجة تفاعل كل شخصية مع الحدث أو الموقف.

يقدم لنا الكاتب، من خلال حكايات مفارقة ملتقطة من الواقع، عالما تراجيديا عبر مرآة تحول الدرامي إلى كوميدي، وذلك بكشف مفارقات الواقع.

هناك حضور لعدة أشكال سردية داخل الرواية التذكر(الماضي)، محكي الإرهاب، مفارقات اليومي(ما تصادفه الشخصيات من مواقف مفعمة بالتوتر وباعثة على السخرية).

أ- السرد التذكري: المرتبط بالثورة بالنسبة لصالح، والمرتبط بالطفولة بالنسبة لمنير، ناتج عن مفارقة تجدها الشخصية داخلها راهنها فتحتمي بالماضي، عبر تقنية التذكر. يقول صالح:"" وتذكرت في هذه اللحظة أبي ووصيته الغالية.. وتذكرت الرفاق الذين كنا نقتسم معهم التمرة والرصاصة والدمعة والفرحة.. ما كنا نعرف هذه الشكليات وهذه المظاهر الخداعة والزائفة.. شيء واحد كنا نعرفه.. الحب.."(ص.31.) ويقول منير متذكرا لحظات من طفولته الجميلة:" تتدافع أجسامنا الصغيرة عند البوابة كخراف تهرع من زريبتها تثغو جميعا في حبور الشوق[...] تتعالى ضحكاتنا لبكاء حسناء ساخطة على المعلمة التي فرضت عليها أداء دور الزوجة في المسرحية.. هل سأخبر نانَّا أن معلمتنا قد زوجتني حسناء وأننا أنجبنا طفلة سميناها أمل؟

تثيرني حسناء ببكائها وقد تناثر شعرها الأسود كأنما يعبر عن تضامنه معها فأحس بعاطفة ما تجاهها.. أقترب منها.. أنهر الصغار فيسكتون.. أتراجل عليهم."(ص.177.)"

يعمق أسلوب التذكر من مفارقات الراهن وخيباته وانكسارات أحلام الماضي على أرضه.

ب- محكي الإرهاب: تتوجه السخرية متوسلة بالسرد إلى رصد مفارقات الإرهاب الأعمى، وذلك بتقديم بعض الحكايات الساخرة التي تهدف إلى إدانة الخطاب الإرهابي. ويحضر بطريقتين:

بشكل مباشر من خلال أحداث تعيشها بعض الشخصيات(صالح، منير، عبد الرحيم، الجازية.) أو تسمع بها فترد على شكل خبر ومن ذلك:

- حكاية المسجد التي عاشها صالح. يقول:"" أسرعت مبتعدا وأنا أذكر تلك الجمعة المشؤومة حين قام صلاح الدين تدعمه مجموعة من الأتباع يطلقون على أنفسهم جماعة أنصار السنة بتهديم المحراب وإتلاف كل زخارفه وأقاموا مكانه بابا وكسروا المنبر ذا الخشب الأحمر المنقوش ووضعوا مكانه مصطبة مرتفعة قليلا.. وحين حانت صلاة الجمعة منعوا الإمام الشيخ من إمامة الناس.. وتقدم مكانه صلاح الدين الذي امتنع عن تقديم الدرس وتحدث في الخطبة عن بدع المسجد والجمعة مركزا على البدع في المحراب والمنبر والدرس.."(ص.139-140.)" "". وهنا تحضر السخرية عبر الاستفهام عبر تعليقات السارد. يقول مثلا: "هل هم الذين نفذوا تلك الجرائم؟ هل يمكن لشخص يؤمن بالإسلام ويدعي التمسك به أن يقتل الأبرياء؟"(ص.140.)

- خبر مقتل مفتش التربية والشيخ سعيد:" تلك الليلة أخبرني أحد الجيران أن السيد معرفة مفتش التربية والتعليم قد اغتيل وهو خارج من إحدى الثانويات.. وأن الشيخ السعيد قد قتل دفاعا عن نفسه في اشتباك مسلح وقع قريبا من بيته.. " (ص.176.)

- بشكل غير مباشر من خلال عناوين الصحف التي تقدم حكايات موجزة. ومن ذلك تقول الجازية:" أول عنوان صادفني هو مجزرة في المديَّه.. اختطاف سيناتور في تبسه.. اغتيال رئيس محكمة بباتنة ودركيين ببلعباس.. قوات الأمن تقضي على عشرين إرهابيا في جبال بابور وبوطالب وحربيل .."(ص.179.)

تبين هذه المحكيات اختلاط الحابل بالنابل في الإرهاب، بين قطاع الطرق والخونة ومموليهم من كبار الأغنياء. كما سلطت الضوء على كيفية يتم تمويل الإرهاب وإنتاجه. كما كان هذا النوع من السرد فرصة للسخرية من الخطاب الإسلاموي، وإظهار مفارقاته.

ج- السرد اليومي المفارق، ونقصد به تلك المفارقات التي تعترض الساردين، فيعملون على التقاطها نظرا لمفارقتها من ذلك:

- حكاية مدير المستشفى"" ومديرنا هذا وطني حقا لما عينوه كان كسلك الحديد.. كأنه مستورد من أثيوبيا.. البذلة الرمادية وحدها تمشي.. اليوم صار بضخامة ثور يكاد يسقط للخلف.. سرواله القديم لا يسع إصبعه..

مديرنا إنسان وطني ضرب الرقم القياسي في احترام وقت عمله.. يدخل لمكتبه بعد العاشرة يتصفح الجرائد التي تشترى على حساب المشفى.. يوقع الوثائق.. يطلع على المراسلات.. يرشف قهوة.. يحتضن السكرتيرة القنبلة التي اختارها بنفسه بعدما طرد السكرتيرة التي كانت قبلها.. يتفق معها على موعد السهرة ويخرج.

في الباب يلتف حوله العمال المخلصون كالكلاب المدربة.. يرقصون بلا إيقاع.. يملأون له السيارة بخيرات المشفى.. لحوم.. حبوب.. خضر.. مشروبات.. عند الحادية عشرة يخرج ولا يعود حتى الغد.. أما المرضى المساكين فلا يعطى لهم إلا العدس بالماء.."(ص.32.)"

فالسارد ليس محايدا وإنما يبدي موقفه من محكيه وخصوصا من الشخصية موضوع السرد. من ذلك مثلا:"" سحب أحد الخدم الكرسي ليجلس سيده ووقف عند رأسه فاغرا فاها ككلب يلهث بالفرح.. "(ص.36.)"

- حكاية قدوم الوزير:"" اقتربت من المشفى.. توقفت فجأة وقد هزتني الحيرة.. هذا ليس مشفانا على الإطلاق.. تراجعت إلى الخلف.. عدت أتأمل ما الذي جرى؟ لست مجنونا بالتأكيد لقد تغير المدخل كلية.. لافتات.. أعلام.. ألوان.. طلاء.. كل شيء مزين.. الأشجار.. الأرصفة.. الطرقات.. أشجار صغيرة خضراء.. ورد أحمر متفتح..

فركت عيني.. أنا في حلم.. أو جننت.. ما الذي وقع؟ تركت المكان صحراء قاحلة.. في يومين أصبح جنة.. الطريق معبد.. الشجر أخضر.. الورد متفتح.. الأعلام.. المصابيح الملونة.. مشيت بسرعة إلى البوابة يا للدهشة! حتى هي مطلية مزينة.. الأضواء من كل لون سبحان الله! لعلني في حلم دون أن أدري.. رفعت رأسي للسماء وجدت لافتة كبيرة مكتوب عليها: أهلا وسهلا بالسيد وزير الصحة..

بالقرب منها أخرى مكتوب عليها: الصحة في خدمة الشعب.

واختلط في ذهني الضحك والنواح.. رغبت في الضحك.. أضحك حتى الجنون.. حتى الموت.. وأردت أن أبكي.. أبكي حتى الجنون.. حتى الموت.. "(ص.44-45.)"

فالسرد متوتر مفعم بالمفارقات.

6- توتر اللغة

تتميز لغة رواية رأس المحنة بالتعدد إذ سمحت بتجاور عدة لغات وعدة خطابات: لغة المثقف، اللغة العامية، اللغة المبتذلة، اللغة العنيفة، لغة الحب، لغة التحليل السياسي، اللغة الشعرية، بحسب مقتضى المقام التداولي... ومن ذلك يمكن أن نقف عند:

- الأمثال الشعبية المفعمة بالتوتر الذي يفرز السخرية والمفارقة، ومنها قوله:"" جوع كلبك يتبعك.. "(ص.80.)" لو نظر البعير لحدبته لانقطعت رقبته "(ص.87.)، وقوله:" وما عسى الميت يفعل في يد مُغَسِّله؟"(ص.172.)"

- زجل عبد الرحمن المجدوب وما يحمله من سخرية ومفارقات:

لا يعجبك نوار الدفلى في الوادْ دايَرْ ظْلايل

ولا يغرك زِين الطُفلَه حتى اتْشوفْ لَفعايل (ص.95.)

- الشعر الحامل للمفارقات، وخصوصا شعر المتنبي الذي كان له حضور بارز في النص:

ألقاب سلطنة في غير موضعها

                     كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد(ص.107.)

ويقول:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم    

                  يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟(ص.213.)

وقول نزار:" لبسنا قشور الحضارة والروح جاهليه." (ص.184.)

7- تركيب

كانت السخرية إذن هي سلاح عزالدين جلاوجي لمواجهة كل أشكال التعفن والفساد التي تنخر المجتمع الجزائري. فاتخذها إوالية إنتاجية خضع لها الخطاب السردي برمته، بل العالم الروائي وبنائه من وصف وشخص وسرد ورؤيا ومكان وزمان ولغة. وهذا لا يتأتى إلا لروائي متمكن من صنعته الروائية.

واطلعت السخرية في رواية رأس المحنة بعدة أدوار منها:

- أداة للمقاومة النفسية: أثناء الحوار بين الشخصيات، خصوصا بين امحمد وصالح أو منير أو، بين صالح ومدير المستشفى، عبر الوصف الساخر الذي يلتبس بالكاريكاتور.

- عين للنقد: في النظر إلى الواقع، الوضع الجزائري العام، حي الحفرة، بإبراز سلبياته، ومشاكله، وعيوبه، وإبراز المسكوت عنه وجعله يظهر في السطح ...

- الفضح: تضطلع السخرية بوظيفة أخرى وهي الفضح بما أن الرواية في أساسها رصد للوضع الإشكالي لأبطال دون سند داخل العالم، فهي تتأسس بالضرورة على مفارقة بين طموحات البطل والواقع، ومن ثمة تكون الرواية أرضية خصبة للسخرية، إذ تحاول تغيير العالم وفضحه، والسخرية بدورها رؤيا للعالم لا تقبل الاعوجاج والنقص، بل تعمل على فضحه ويجعله يظهر في السطح.

- رصد المفارقات: المفارقات المكانية والزمانية، والمفارقات التي يحبل بها الراهن الجزائري. عبر مفارقات نصية ولغوية ولدت لنا أثرا ساخرا.

الهوامش

1- محمد مشبال، أسرار النقد الأدبي، مقالات في النقد والتواصل، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، 2002، ص.49.

2- جورج لوكاش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، الرباط، 1988، ص.70.

3- نفسه، ص. نفسها.

4- M. Bakhtine, La poétique de Dostoïevski, Ed. Seuil, 1970, p.155.

5- Ibid, pp.155-156.

6- فقد جاء في لسان العرب:سَخِرَ منه وبه سَخْراً وسَخَراً ومَسْخَراً وسُخْراً بالضم وسُخْرة وسِخْرِيًّا وسُخْرِيًّا وسُخْرِيّةً: هَزِئ به. قال الله تعالى: "لا يسخر قوم من قوم". وسخرت من فلان هي اللغة الفصيحة. وقال تعالى: "فيسخرون منهم سخر الله منهم". وقال: "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم." وقوله تعالى:"فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري." فهو سُخْرِيًّا وسِخْرِيًّا. قال أبو زيد: سِخْرِيًّا من سَخِر إذا استهزأ، والذي في الزخرف: "ليتخذ بعضكم بعضا سخريا": عبيدا وإماء وأجراء. وقال: خادم سخرة، ورجل سخرة أيضا: يُسْخَرُ منه.

7- M. Le Guern,"Elément pour une histoire de la notion d'ironie" in Linguistique et sémiologie, Ed. PUF, 1976, p.47-59.

8- Marie Ange – Voisin Fougère, L'ironie naturaliste Zola et les paradoxes du sérieux, Ed. Honore CHAMPION, 2001. p.16.

9- V.Jankelevitch, L'ironie, Ed. Flammarion, Coll. Champs, 1991, p.19.

10- C. Kerbat-Orecchioni, "Problèmes de l'ironie", in Linguistique et sémiologie 2, 1976, p.11

11- Christian Vannellerie, "notes sur la figure de l'ironie en marge de "La Chute d'Albert Camus", Université d'Ottawa Article publié dans "La revue canadienne d'études rhétoriques, vol. 12, sept. 2001, p. 43-62.

12- C. Kerbat-Orecchioni, Op. Cit, p.11.

13- Marie Ange – Voisin Fougère, Op. Cit, p.16.

14- عزالدين جلاوجي، رأس المحنة، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، مطبعة دار هومة، الجزائر، 2003.

15- Christoph Singler, le roman historique contemporain en Amérique Latine, entre mythe et ironie, Ed. L'Harmattan, 1993, p.29.

16- محمد مشبال، م. م، ص.74.

17- محمد أنقار، بناء الصورة في الرواية الاستعمارية : صورة المغرب في الرواية الإسبانية ،  تطوان،  مكتبة الإدريسي، 1994 ، ص.24.

18- ياسين أحمد فاعور، السخرية في أدب إميل حبيبي ، تقديم فيصل دراج ؛ إشراف توفيق بكار، سوسة، دار المعارف، 1993، ص.67.

19- محمد نجيب العمامي، في الوصف بين النظرية والنص السردي، دار محمد علي للنشر، تونس، 2005،ص.180.

20- أولمان، ستيفن، الصورة في الرواية ، ترجمة رضوان العيادي، ومحمد مشبال طنجة، مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، 1995، ص.231.