نسمات

الخميس,أيار 15, 2008


بلاغة التقابل في

رواية الرماد الذي غسل الماء

 

د. بوشعيب الساوري. المغرب

 

الحياة لا نعيشها كواقع مادي وإنما نعيشها كتمثلات وأوهام وتخيلات كما أكد بورديو على أن الوظائف الاجتماعية ليست إلا تخييلات وأوهام اجتماعية(1). تلك التمثلات التي تساعدنا على التغلب على فظاعة الواقع وإكراهاته، وتدفعنا إلى مواصلة الحياة. ينطبق هذا الكلام على النص الأدبي الذي يشخص الراهن أملا في مستقبل أحسن، لأن الأدب على الرغم من تناوله للواقع الراهن أو عودته إلى الماضي فهو منشد نحو المستقبل.

1- التقابل الزمني

 يسعفنا هذا التقديم في مقاربة رواية الرماد الذي غسل الماء لعزالدين جلاوجي(2) التي تشخص لنا الراهن عبر التخييل، فتقدم لنا الواقع بفظاعته لكن كما تمثلته مخيلة الكاتب. والتي تصدم المتلقي انطلاقا من عتبة العنوان الذي يعد وسيلة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فك غموضه(3) فهو "علامة تهدف إلى تبئير انتباه المتلقي، على اعتبار أنه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي، مؤشرة عليه." (4) يقوم تركيب العنوان على قلب دلالي صادم إذ يسحب من الماء مهمته الطبيعية ويوكلها إلى الرماد الذي لا يغسل وإنما يوسخ في العادة. كما أن العنوان يحيل على فعل محكوم بالزمن وهو الغسل والذي يقضي تسلسل حدثين أو فعلين وهما وجود الماء وسبقه الزمني في إحالة على الماضي، ثم جاء بعده الرماد(جاء فيما بعد) فغسله، يعني محاه، فالغسل هنا معناه المحو، أو بصيغة أخرى سلب الرماد من الماء مهمته، فلا يمكن أن يتعايش الماء والرماد فعندما حضر الرماد غاب الماء. فالماء رمز للحياة والطهارة والنقاء بينما الرماد رمز للموت والبقايا والعفن، فالماء ارتباطا بالحالة الزمنية مرتبط بالماضي(ماضي المكان والشخصية) والرماد مرتبط بحاضرها.

ويبدو ذلك من خلال الزمن المؤطر وهو الراهن العربي وما يتعرض له العرب من غزو وانحدار وتردي. وقد أشر على ذلك من خلال الاستهلال الشعري الذي افتتح به الرواية:

يذبحنا التتار البيض كل مساءْ
فتجري منا الأرض دموعا ودماء
من بحرنا حتى سيْناء(ص..)

 وكذلك من خلال المؤشر الزمني المؤطر لأحداث الرواية وهو الخريف. فالحاضر الذي يحيل عليه الرماد بكل حمولاته وقيمه السلبية قد أزاح الماء الذي يحيل على الماضي بكل حمولاته الدلالية الإيجابية. بهيمنة ذوي النفوذ والجهلاء وتلاعبهم بمصائر الشرفاء والبسطاء وحاملي القيم النبيلة. فتضعنا الرواية منذ البداية في تصادم ومواجهة بين زمنين؛ الماضي الذي يمثله الماء رمز النقاء والصفاء والحاضر الذي يمثله الرماد رمز التلوث.

وبذاك تكون الرواية قراءة جمالية للواقع والراهن المأزوم المتعفن بخيباته وانكساراته في علاقتهما بالماضي، فأثر ذلك على البناء السردي للرواية ففعل الغسل الذي طال الماضي ألزم الرواية سرديا أن تتراوح بين سرد أساسي منكب على الحاضر، حاضر الشخصيات والمكان تأطيرا وتشخيصا، تتخلله استرجاعات واستيهامات تحيل على الماضي، لكن مع هيمنة للحاضر، والاسترجاعات التي تتم لتبرز المفارقة بين الحاضر والماضي، وتبرز بالفعل كيف غسل رماد الحاضر ماء الماضي. تتقوى الفكرة السابقة بكون الحاضر الرمادي لا زال يغسل الماضي يوما عن يوم. وكل محاولة لبعث الماء يتم إقبارها أمام سلطة الحاضر الرمادي وسلطة من يمثلوه. مقابل خفوت صوت الماء، وإسكات من يمثله مثل إسكات المثقف فاتح اليحياوي عبر تكالب رموز الحاضر الرديئ.

وسنلمس هذا التصادم والمواجهة من خلال أحداث الرواية التي تكرس سيادة العديد من القيم السلبية ونفوذ من يمثلها من شخصيات(عزيزة، المختار الدابة، الجنرال، الحاج حشحوش..) مقابل خفوت القيم الإيجابية وتهميش من يمثلها (فاتح اليحياوي، كريم، الضابط سعدون، بدرة...). وكذلك على مستوى المكان عبر المقابلة بين حاضره وماضيه وتحوله إلى الأسوأ. وكذلك عبر مستوى السرد حيث نلاحظ هيمنة أحداث الحاضر على السرد مقابل قلة السرد المرتبط بالماضي.

2- التقابل المكاني

على الرغم من الإحالة التمويهية التي أشار فيها الكاتب في نهاية الرواية على أن مدينة عين الرماد مدينة خيالية."عمد علماء الاثار إلى البحث عن مدينة عين الرماد فلم يجدوا لها أثرا فأجزموا أنها لا تعدو أن تكون قصة نسجت خيوطها مخيلة أحد الأدباء ثم نشرها إلى الناس لتكون عبرة لهم ولأبنائهم من بعدهم."(ص.259.)  فإن تناول الرواية للمكان يؤكد طبيعته الإحالية المرجعية، فهو يتقاطع مع العديد من الأمكنة الواقعية. فيتعلق الأمر بنوع من الإغرابية التي يقوم بها جلاوجي في تشكيل عالمه الروائي كما فعل في رواية سرادق الحلم والفجيعة التي أغرقت في الرمزية والأسطرة، من أجل أن يمنح نصه سحريته وجاذبية القراءة. فالرواية تجريد للواقع، كما جاء في نهايتها لأن ما وقع فيها من أحداث قد يقع في أي مدينة جزائرية، بل في كل مكان توفرت فيه الشروط نفسها.

 هناك تركيز من الرواية على وضع المكان، بين الماضي والحاضر وهو الذي يحفزها على المقارنة وإبراز مدى ثبات المكان أو تحوله؛ مع التأكيد على أن كل شيء جميل في الماضي على مستوى المكان تم تخريبه في  الحاضر.

تظهر الرواية أن  الأماكن ظلت على حالها أي لم تتحول بعد الاستقلال أو أنها تحولت إلى الأسوأ. التحول الذي يقود السارد إلى العودة إلى ماضي المكان زمن الاستعمار، ثم إبراز تحولاته خلال زمن الاستقلال، وخلال الراهن من أجل إبراز التحول الذي طاله، كما هو الشأن بالنسبة لملهى الحمراء:"" كان زمن الاستعمار بيتا لحاكم المدينة.. وصار بعد الاستقلال مركزا لبحوث الزراعة.. وتنازلت عنه الدولة لجنرال متقاعد ليحوله إلى ملهى يؤمه كبراء القوم وساداتهم، ولا يدري الناس لماذا سماه هذا الجنرال ملهى الحمراء؟" (ص.12.). ويقول مؤشرا على التحول الذي طال المسرح البلدي بين الماضي والحاضر:" المسرح البلدي تحفة المدينة، بناه الفرنسيون قبل الثورة، وزرعوا فيه الحياة حين ينقلون إليه حركتهم ليلا، ويضخون شرايينه فنا وإبداعا، ومذ غادر الفرنسيون المدينة تسللت إليه يد اليأس والقنوط، وتغشاه حزن عميق رهيب لف الجدران البيضاء والأبواب البنية والتماثيل التي ثبتت من الخارج رمزا لآلهة الفن والجمال. " (ص.61.)"

  وينطبق الأمر كذلك على حديقة الأمير عبد القادر. يقول:"" وحديقة الأمير التي تتوسط المدينة كانت تحفتها وعروسها، تتربع على مساحة مستطيلة تملؤها أشجار الزان والفلين والزينة من كل نوع.. وتزينها أشكال وأنواع من الأزهار.. وتضحك في جنباتها برك فوارة تقذف بابتساماتها في أوجه الزوار.. وتتنوع فيها الممرات الإسفلتية والحجرية التي تناثرت عليها كراس حديدية مزخرفة هنا وهناك.. ووقفت في كل زاوية منها أعمدة وتماثيل رومانية تذكر الجميع بالحضارات والشعوب التي مرت على المدينة.. وعصفت بها يد الزمن، فلم يمض إلا عقدان أو أكثر بقليل حتى تناهبها جشع البطون الكبيرة، لتتقلص أمتارا أمام رحف الإسمنت المسلح الذي كومه حشحوش وعزيزة من كل جانب.""(ص.65.)
     ينطبق الأمر نفسه على مقبرة النصارى التي طالها الإهمال:"" تقع مقبرة النصارى كما يطلق عليها السكان أعلى مدينة عين الرماد قريبا من الغابة، أحاطها الفرنسيون أيام تواجدهم بعناية فائقة حيث كان يمثل سورها تحفة رائعة، وتمثل هندسة قبورها ومازرع فيها من أشجار وأزهار لوحة لإبداع الإنسان والطبيعة، ومثلت القبور الرخامية تحفا مختلفة الأشكال والألوان.
     وماكادت فرنسا تنسحب بعساكرها حتى بدأ الهجوم على المقابر، فسلب شباك المقبرة، وهدم سورها، ونبشت قبورها، وتحولت صحراء قاحلة تحتضن السكارى والشواذ." " (ص.108.)
     هكذا تبرز الرواية كيف أفسد رماد الحاضر ماء الماضي المتمثل في العديد من الأماكن الأثرية برجاله ونسائه الذين تواطؤا على إفساد كل جميل فيه. والإفراط في إهماله أو تخريبه وتشويهه.

كما أن الأماكن في الرواية تصير لها دلالة تراتبية تكرس الطبقية كالتقابل بين "خربة الأحلام" التي لا يدخلها إلا المهمشين أما ملهى الحمراء فخاص بذوي النفوذ. تعكس التقابل الموجود بين شخصيات الرواية.

3- تقابل الشخصيات

تظل الشخصية الروائية مكونا هاما في الرواية، وفي جــل الأنــواع السردية. لكن حضورها يختلف بين نص سردي وآخر، بحسب طبيعة النص، وكذا حسب طريقة الروائي في تقديم الشخصية التي لا تنفصل في الغالب الأعم عن البنية العميقة المتحكمة في الرواية.

يمكن أن نصنف شخصيات الرواية عدة تصنيفات، بين الثبات والتحول، بين الغنى والفقر، بين المعرفة والجهل، بين الخير والشر. وبنية التقابل في رواية الرماد الذي غسل الماء بين الماضي(الماء) الحاضر(الرماد) فرضت تقابلا بين فئتين من الشخصيات؛ شخصيات من زمن الرماد وشخصيات ما تزال  متمسكة بالماضي وبقيمه التي غسلها رماد الحاضر وما يزال. كما يمكن أن نصنف شخصيات الرواية إلى صنفين: شخصيات سكونية ثابتة لا تتغير طوال السرد (عزيزة، فواز المختار الدابة...)، وشخصيات دينامية طالها التغيير وتغيرت من حال إلى أخرى(سمير المرنيني، كريم، سالم بوطويل.)

ورغم تعدد المستويات الاجتماعية للشخصيلت الروائية يمكن أن نحصرها في فئتين متصارعتين: فئة الفقراء والبسطاء وفئة الأغنياء وذوي النفوذ والمتلاعبين بالسلطة. وتؤكد الرواية انسجاما مع بنيتها العميقة أن الفئة الأولى ضحية للفئة الثانية سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.

فعلى المستوى المباشر نجد شخصية عزيزة الجنرال المتسلطة، واستغلالها لنفوذها، ابتداء من تواطؤها مع الطبيب فيصل و استغلال علاقتها الغرامية معه. لإبعاد التهمة عن ابنها فواز:"" في حين ركب الطبيب مع عزيزة التي أخبرته في الطريق أن ابنها تخاصم مع صاحب ملهى الحمراء، وإذا مارُفعت دعوى ضده سيكون ذلك تشويها لسمعة العائلة.. وطلبت منه في الأخير أن يراعي ذلك فيشهد أن فواز قد دخل المصحة في حدود الرابعة مساء لتكون دليلا له على عدم ارتكابه الجرم."" (ص.16.) تفعل ما تشاء: ""وهي تعرف الجميع، تمد خيوطها السحرية فإذا الحق باطل والباطل حق، وقد سماها الناس الجنرال لقوتها ولعلاقتها بالجنرال صاحب ملهى الحمراء.. والجميع يعرف أيضا أنها وراء وصول مختار الدابة ونصير الجان إلى كرسي البلدية لتسهل على نفسها تحقيق ما تريد، وهي أيضا كانت وراء سجن فاتح اليحياوي الذي حرض الناس ضدها وضد مختار الدابة بعد استيلائها على قطعة أرض وسط المدينة، وعلى جزء من حديقة الأمير، وعلى مدرسة ابتدائية صرح كذبا وزورا أنها مهددة بالسقوط. "(ص.75.) "تتحكم في كل أفراد أسرتها؛ في علاقتها بزوجها سالم بوطويل الذي أقبرت كل أحلامه وجعلته مجرد تابع لها لارأي له داخل بيتها وأبنائها كابنها فواز الذي لا يأتمر إلا بأمرها وتوريط كذلك ابنتا فريدة معه حتى يكون قنطرة سهلة لقضاء مآربها مثل تعاونه معها في قضية ابنها فواز بمنحه شهادة طبية مزورة تثبت أنه دخل عشية الجريمة المستشفى. والتحكم في زوجة ابنها بدرة. بل تتجاوز سلطتها بيتها لتعم سكان عين الرماد. انطلاقا من الطريقة التي لفقت بها تهمة القتل لكريم بعدما شغلته بالعودة إلى الفن ودست كيسا يتضمن بصماته وهراوة عليها دم عزوز في مزرعة والد كريم أثناء انشغاله بالسهرات وعودته المتأخرة إلى البيت. فتبثت عليه الجريمة وحوكم بعشرين سنة سجنا. ولما كشف الضابط خيطا يوصله إلى الجاني استغلت عزيزة نفوذها معارفها وتم إرسال الضابط سعدون إلى الصحراء. وخرج ابنها ومعه الطبيب الذي كتب له شهادة تتبث أنه كان بالمستشفى ذلك المساء. وكذلك إسكاتها لصوت فاتح اليحياوي وإلزامه بالصمت بعد إدخاله السجن بعدما حاول الوقوب حجرة عثرة أمامها. ثم كذلك تلاعبها بأسرة كريم المتهم البريء في جريمة قتل عزوز المرنيني اولا تزويج ابنها فواز من أخته بدرة حتى تتمكن من الوصول إلى مجاله وتنفيذ مخططها الدنيئ، وتحكمها في بدرة بعد زواجها من ابنها الذي وصل حتى إلى مسالة اختيار اسم ابنتها الذي ارادته أن يكون على اسم أمها عرجونة وكذلك إبعادها عنها. ومنعتها من رؤيتها بعد الطلاق.

من مميزات شخصية عزيزة القدرة على التحايل، وتجلى ذلك في عدة مواقف: إيهام الشرطة بأن ابنها كان مريضا بالمستشفى، إيهام الناس بترميم مقبرة النصارى لإخفاء جثة عزوز، التفكير في تزويج ابنها من أخت كريم. تفعل ما تريد لتصبح أفعالها علامات استفهام بالنسبة للشخصيات القريبة منها مثل زوجها سالم بوطويل وابنها فواز وابنتها فريدة.

وقد نجح جلاوجي في تصوير شخصية عزيزة الجنرال تصويرا دقيقا عبر الغوص في أعماق نفسيتها بتقديم تحليل نفسي لشخصيتها عبر استرجاعاتها لمشاهد تعنيف والدها لأمها وهي طفلة صغيرة.

  شخصية المختار الدابة: يقول عنها:"" ومختار الدابة هو شيخ البلدية ورئيسها، بدأ حياته خضارا متواضعا، ثم سائقا لشاحنة خضر، ثم بائعا للمواد الغذائية بالجملة، ثم نشيطا في الحزب وممولا رئيسيا لفريق نجوم المدينة، ومقربا من الإعلام ورجال الدولة، ثم مرشحا للانتخابات البلدية"(ص.40.)" مختار الدابة نموذج للشخصية الوصولية التي استطاعت أن تتسلق الدرجات على الرغم من جهلها. تستغل نفوذها لإرضاء نزواتها، واستغلاله لفقر عائلة المرنيني انطلاقا من الأم سليمة التي عانت من ظروف العمل القاسية حتى الموت، وكذلك سعيه إلى إلى التقرب من ابنتها العطرة عن طريق إمداد أسرتها بسكن اقتصادي من حقها إذ استغل توزيع المساكن للاستحواذ على العطرة.

لقد جعل جلاوجي من الشخصيات الخيرة (الماء) حالات اجتماعية ونفسية محاصرة بالكثير من التحولات التي تفرضها عليها الشخصيات الشريرة(الرماد). تخضع الشخصيات الخيرة(الماء) لبنية مهيمنة وهي المفارقة بين ماضيها وحاضرها الذي تجسد فيما عبر عنه جلاوجي استعاريا بالرماد الذي غسل الماء. ويمكن أن نمثل لذلك بثلاث شخصيات وهي:

   - سالم بوطويل، زوج عزيزة الجنرال، حاضره المأزوم وأحساسه بأنه مجرد تابع لزجته عزيزه، لا رأي له أمامها يدفعه إلى الاستنجاد بالماضي، فماضيه ماء وحاضره رماد. يقول مبرزا لا مبالاة زوجته عزيزة به:"واندفعت إلى مكتب الطبيب الذي خرج صدفة فحيا عزيزة التحية الحارة، ودخل معها إلى المكتب يقودها من يمناها دون أن يعير سالما أي اهتمام"  وتأثر سالم فاستدار إلى الجدار، وضربه بقبضته وهو يردد اللعنة على هذا الزمن."(ص.24.) لأن خاضره يقتل ماضيه:" ودخلت عزيزة تبحث عنه فاغتالت أحلامه"".(ص.25.) يحاول في الغالب الاحتماء بماضيه يقول:" تأمل الأب سالم بوطويل الوجوه الجامدة، وهو يسند خده على راحة يده، ويبحث عن الدفء الذي كان يشيع في القلوب حرارة"  أيام كان في أسرة أبويه، لم تكن عندهم دارة ولا سيارة ولا تلفزيون، ولم يكونوا يأكلون على الطاولات والكراسي، ولا ينامون على الأسرة، ولكن كان للحياة طعم ومذاق، وكان الحب الذي يحملونه في مخازن قلوبهم هو رصيدهم الأكبر.. ورث أبوه عن جده الأراضي الشاسعة وقطعان الغنم والبقر، وبقدر ماكان جده يحب التوسع في المال كان خيرا، يفتح بيته وقلبه للجميع.. الفقراء والمساكين وأبناء القبيلة.. وكان يلقب بأبي الفقراء."(ص.44-45.)"

     يحتمي بذاكرته أمام فراغ الحاضر وخيبته بسبب العفن الذي تصنعه زوجته عزيزة كل يوم دون أن تعير اهتماما لرأيه. أكثر من ذلك طلبت منه أن يعترف أمام الشرطة بجريمة قتل عزوز المرنيني بدل من ابنه فواز فيطرح العديد من الأسئلة حول الاختيار:"" لماذا لم يتزوج ذهبية بنت الطاهر وكانت رفيقة صباه؟ ورفيقة أيام الدراسة؟ لماذا لم يجرؤ ويصيح في الجميع إني أحبها ولا أريد غيرها؟

وانسابت ذاكرته تعود به إلى المحطات الأولى التي بدأ قلباهما يخفقان بالحب، وبدأ كل منهما يختصر العالم في الآخر.. لم يجرؤ كي يقول لها أحبك، ولم تجرؤ هي أيضا.. ولكن كل نبضة في جسديهما كانت تدل على ذلك.. في العيون.. والشفاه.. والخدود.. وفي اليدين.. والقدمين.. وحتى في اللباس.. في نسمات الهواء التي كانا ينشقان.. وتزوجت ذهبية شابا جاءها من بعيد.. التقتها أمه في الحمام، وأعجبت بها، وتم الزواج.. هل هو قدر الله؟ أم هي خيباتنا ننسبها زورا وبهتانا لله؟(ص.18.)

- خليفة والد كريم يعيش على ذكريات زوجته الأولى على الرغم من زواجه بعدها. الأولى أنجبت له والثانية لم تنجب وكانت بديلا سيئا للأولى: "دخلت زوجة أبيه فطومة العقيم التي تزوجها أبوه خليفة بعد إلحاح ولديه عليه لتقوم على شؤونه، وتؤنسه في وحدته، فلا هي فعلت هذا، ولا فعلت ذاك، ولا تركته يهنأ ويطمئن، ولم تكن إلا بديلا سيئا عن زوجته.."(ص.28.) فالرماد الذي غسل الماء ينطبق كذلك على عائلة كريم التي كانت تعيش الهدوء والسعادة، بعد حادث الجثة ستفقد هدوءها وسيزداد حالها ترديا بعد اقتراب عزيزة منها بتدبير زواج ابنها فواز من بدرة. مآل الشخصيات وتحولها عائلة كريم.

- فاتح اليحياوي يمثل صوت المثقف الذي اعتزل الناس بعد ان تم إسكاته بفعل تكالب ذوي النفوذ، خصوصا عزيزة الجنرال، مع السلطة ضده. نموذج للمثقف العضوي الحالم بالتغيير لكنه يجد الواقع أقوى منه. يتأمل في الناس من خلال كرة القدم وما تفعله بهم. وجد نفسه وحيدا بعيدا عن ما يقوم به الناس داخل المدينة. شخصية إشكالية تسائل. يمثل اغتراب المثقف. حاول التغيير لكنه أحبط بسبب قوة نفوذ عزيزة الجنرال. يقول:"" كان فاتح اليحياوي أكثر الشباب حماسة، وأكثرهم ثورة على كل مظاهر الانحراف الاجتماعي والسياسي، وكان يدرك جيدا أن سكان عين الرماد هم ضحية مؤامرة بين من يملكون الدينار ومن يملكون القانون.. وماكادت عزيزة الجنرال تستولي على أراضي الفلاحين البسطاء، وتأخذها منهم عنوة، وماكادت تشتري شركة البناء التي تشغل مئات العمال، وماكادت تضع يدها على أملاك دولة فتشتريها بأسعار رمزية حتى ثار في المدينة يقود الناقمين.. وحدث مالم يكن يتوقعه.. لقد تدخلت القوات العمومية وفرقت المتظاهرين، ليحاكم فاتح، ويَشهد بعض المتضررين على صحة ماوجه إليه من تهم.. حين زاره كريم في السجن، وقد تجلبب بالحزن العميق قال له :"التاريخ يعيد نفسه، كأني من ذرية علي، وكأن سكان عين الرماد من ذرية أهل العراق.. عليها اللعنة أمة تجمعها الزرنة والبندير، وتفرقها العصا."  "(ص.43.) "فاتح يحياوي نموذج لإحباط المثقف ويأسه من التغيير.

 جمع جلاوجي بين أسلوبين في رسم شخصياته: الأول تصويري يرسم الروائي فيه الشخصية من خلال حركتها وفعلها وصراعها مع ذاتها أو مع غيرها، راصداً نموها من خلال الوقائع والأحداث، حيث أولى اهتماما أكبر بالعالم الخارجي كما قام جلاوجي بتحليلها تحليلا سوسيولوجيا. والثاني استبطاني يلجُ فيه الروائي العالم الداخلي للشخصية الروائية بإظهار مونولوجاتها واستيهاماتها وهواجسها. فصور الحالة النفسية التي تعاني منها ويبرز انفعالاتها.

ساهم الحدث في هيمنة الانفعالات على الأفعال مثل الحيرة التي قربت الرواية من البحث البوليسي(التحقيق). بالتركيز على ردود أفعال الشخصيات بدقة كبيرة انطلاقا من إبراز ملامح الوجه، وانفعالاتها، وحركاتها، وأوضاعها، في ارتباط بالحدث المركزي وهي تقنية لا شك مسرحية. انطلاقا من فعل الحيرة الذي طال كل الشخصيات فتغدو الانفعالات مهمة والتركيز عليها ضروري فبراز مخلفات الحدث على الشخصيات. ومن تمة فحضور الوصف ليس تزيينيا بقدرما هو مكون بنائي بربط حالة الشخصية مع حالة الهواء وحالة الشخصية مع حالة العصفور المماثلة بين الشخصية والمكان والسياق الذي توجد به.

انطلاقا من هذا البناء التقابلي للشخصيات تلقي الرواية الضوء على المجتمع لتجس نبضه وتفاعله في حيايته في صراعه وتوتره. وإبراز تناقضاته ومفارقاته. انسجاما مع البنية العميقة للرواية تحاول الرواية التأكيد عليها وهي "غسل الرماد للماء" او التكالب على غطفاء كل شعلة للأمل والحياة نظرا لقدرة ذوي النفوذ على فعل أي شيء بما في ذلك التحكم في الناس وتحويلهم والتلاعب بهم.

4- التقابل السردي

 انسجاما مع البنية الناظمة للرواية وهي المفارقة بين الماضي والحاضر وسطوة الثاني على الأول، تميز السرد بدوره بالخضوع لهذه البنية، فهيمن فيه تشخيص الراهن وأحداثه المثيرة ومفارقاته من خلال حدث أساسي وهو اختفاء جثة عزوز المرنيني الحدث الذي سيولد عدة محكيات تكون بمثابة روافد له سواء في المتن أو في الهامش، تبرز المسكوت عنه لدى بعض الشخصيات.(شخصية المختار الدابة، الجنرال، الحاج حشحوش...)

     يتطور السرد عبر تقنية البحث البوليسي ومفاجآته وتطوراته المثيرة انطلاقا من حدث مثير الحدث الذي كان نقطة بداية الحبكة، وهو اختفاء الجثة. ليضعنا جلاوجي أمام حبكة روائية منسوجة بإتقان ترغم القارئ على المتابعة وفهم ما جرى  ومعرفة القاتل الحقيقي منذ شروعه في القراءة وتحقق الرواية مقروئيتها وتضمنها عبر حبكتها، وبحدثها الذي حير الجميع (الشرطة، عائلة كريم السامعي، عائلة عزوز المرنيني، عائلة سالم بوطويل والد فواز، الإعلام، حيرة العصابة المتورطة في المخدرات... ) لذلك نسميها برواية الحدث لأنه هو المتحكم في كل الأفعال اللاحقة للشخصيات.
      لكن الرواية على الرغم من ذلك لا تبقى حبيسة الحدث والبحث البوليسي والتحري، بل تجعله مطية لإبراز مفارقات المجتمع وتناقضاته؛ وهو ما تبناه السرد الرئيسي. الحدث الذي سمح بتسليط الضوء على مجموعة من القضايا التي يعرفها المجتمع، تسليط الضوء على حياة المهمشين. يقول مثلا:"" الناس يعيشون في بيوت تشبه المغارات " الفصل 13 وعلى حياة الفاشلين والمنحرفين. كما تخلله رصد العديد من المفارقات. مثل الوضع المزري بالمستشفى. يقول:" صدقت لا شيء في مشافينا حتى النظافة." (ص.13.)"  والوضع المزري للطبقة المسحوقة. يقول:" الناس يعيشون في بيوت تشبه المغارات." (ص.54.) وإبراز بعض المظاهر الاجتماعية السلبية التي تنخر المجتمع مثل الرشوة والمحسوبية وسلطة ذوي النفوذ.

تتخلل السرد الرئيسي المطبوع باليقين نتوءات سردية تعود إلى الماضي عبر الاستيهامات التي تبرز حنين الشخصية إلى الماضي الذي غسله رماد الحاضر. خصوصا بالنسبة لسالم بوطويل الذي يعيش على ماضيه واستيهاماته وأحلامه التي قتلها حاضره مع زوجته المتسلطة عزيزة الجنرال.

 وكذلك مذكرات فاتح اليحياوي التي تقدم قراءة تخييلية للراهن عبر الحكاية والأسلوب الاستعاري المفرط في السخرية. وطابعها المفارق التي تعتبر خلاصة لتجربته في الحياة وصورة متخيلة لواقع السيطرة واستغلال النفوذ والخضوع وشراء الذمم.

أدى انشغال السارد العليم بتشخيص الواقع بتناقضاته ومفارقاته والإحاطة به إلى ترواحه بين وضعين:

- وضع اليقين: وهو ما يسرده انطلاقا من الشخصية ومن دواخلها وما يختلجها. وفي هذه الحالة يكون السارد قريبا من الشخصيات.(المتن) إذ يعمل السارد العليم على استغوار نفسيات الشخصيات ووساوسها وهواجسها وأحلامها واستيهاماتها وتطلعاتها، مع الحرص على تصوير انفعالاتها مع الحداث والمواقف التي تستجد على مستوى تطور أحداث الرواية. إذ يقوم السارد أحيانا بتحليل نفسي للشخصيات، كما هي الحال مع شخصية عزيزة التي يرجع سلوكات شخصيتها وقسوتها وصلابتها إلى عنف أبيها على أمها وهي طفلة. وذلك عبر تقنية التذكر عبر الصور التي تتراءى لها بين الفينة والأخرى. عنف الأب  الذي حولها إلى إنسانة شريرة. وبذلك يعمل السارد على استغوار خبايا الشخصية وإظهار وساوسها وهواجسها وأحلامها واستهاماتها وتطلعاتها.

كما يقوم بتحليل اجتماعي لأوضاع بعض الشخصيات، عندما يعمل على التفسير الاجتماعي للفقر والتسكع. مع حضور قوي لكل طبقات المجتمع (فقراء، أغنياء، لصوص، بائعي المخدرات...) ومن أجيال مختلفة. لتقدم لنا الرواية مجتمعا متفاعلا.

- وضع غياب اليقين: وذلك عندما يكون السارد بعيدا عن الشخصية و يركز فقط على ما سمعه وما يشاع عنها من أخبار وأقاويل مجهولة المصدر أو هناك  اختلاف حول صحتها، وهو ما يدرجه في الحواشي التي تطلع ب:

- إضاءة المكان؛ مثل إضاءة المسرح البلدي وما تعرض له من إهمال بعد الاستقلال.

-إضاءة الشخصية ووصفها ووضعها الاجتماعي وألقابها وتفسير سبب نزولها، فتصير بمثابة بطائق تعريف لها، تقدم صورة عن الشخصية قبل دخولها مسرح الأحداث. لتقدم سيرا موجزة عن الشخصيات ولماذا هي على حالها، وكيف آلت إليه. يقول مثلا عن المختار الدابة:"" ومختار الدابة هو شيخ البلدية ورئيسها، بدأ حياته خضارا متواضعا، ثم سائقا لشاحنة خضر، ثم بائعا للمواد الغذائية بالجملة، ثم نشيطا في الحزب وممولا رئيسيا لفريق نجوم المدينة، ومقربا من الإعلام ورجال الدولة، ثم مرشحا للانتخابات البلدية"(ص.40.) "

- إضاءة ألقاب بعض الشخصيات. يقول مثلا عن قدور الخبزة :"" ولقبه الناس بالخبزة لأنه كلما سئل عن أجرته قال: أعطوني ثمن خبزة، قدور لا يطلب إلا خبزة ويعطيه المستأجر ماقدر أنه حقه، وقد يكون أكثر أو أقل." الحاشية رقم 19 وتفسير " بعض المواقف أو السلوكات.

كما  تتضمن الحواشي بعض الإشاعات التي تعمل على تنسيب المحكي الرئيسي. فالكلام الذي يرد في الحواشي غالبا ما يكون مطبوعا بالتنسيب، ينتمي إلى الإشاعة والأخبار غير اليقينية. يقول عن خيرا راجل:"" وأكثر الناس من نسج الحكايا حولها وحول جنسها بالذات، فقال بعضهم لا علامة لها، وقال آخرون إنها تحمل عضوين أحدهما مؤنث والآخر مذكر، وقال لفيف ثالث هي مذكر من الأسفل مؤنث من الأعلى، وقال أحد أئمة المسجد إن ظهورها من علامات اقتراب الساعة.. وستخرج الدابة قريبا لتطبع الناس بالكفر أو الإيمان." (ص.20.)"

ومع ذلك يبقى السرد الأول في حاجة إلى السرد الثاني لأنه مكمل له ومضيء له، إذ تعمل الحواشي على إضاءة الشخصيات والأمكنة والأحداث والسلوكات والانفعالات. وذلك في إطار اشتغال الروائي على النص بصريا فجعله بدوره قائما على التقابل فجاء مقسما إلى متن وهامش.

    5- تركيب

الهدف من التقابل بين الماضي والحاضر هو نقد الزمن الراهن وتشخيصه وإبراز مفارقاته. التقابل الذي تحكم في العناصر الروائية الأخرى؛ فجعل المكان بدوره محكوما بالتقابل بين ماضيه وحاضره وكيف أفسد حاضره ماضيه، والشيء نفسه ينطبق على الشخصيات فجعلها منقسمة إلى فئتين فئة الخير وفئة الشر الأولى ضحية للثانية انسجاما مع روح الرواية وهي أن الرماد(الشر، العفن، التلوث...) غسل الماء(الحياة، الصفاء،). وتأثر السرد بدوره بذلك التقابل العميق فهيمن عليه تشخيص الواقع وإبراز تناقضاته في حين كان حضور النتوءات السردية قليلا حتى وإن حضرت فهي في خدمة المحكي الأساس.

 

الهوامش

1- بيار بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار تويقال، البيضاء، 1986، ص.49.

2- عزالدين جلاوجي، الرماد الذي غسل الماء،

3- شعيب حليفي، هوية العلامات، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2005، ص.11.

4- نفسه، ص. نفسها.