رواية الفراشات وَالغِيلان
عِزُّ الدِّينِ جَلاوجِي... والواقِعِيَّةُ المُتَجَدِّدَةُ
عَطِيَّةُ الوِيشي (مصر) عُضْو رابِطَةِ الأدَبِ الإسلامِيّ العالَمِيَّةِ
إنَّ الواقِعِيَّةَ بِاعتِبارِها لَونًا مِنْ ألوانِ النَّشاطِ الفَنِّي الدِّرّامِي، الَّذِي يَرْمِي إلَى الْتِماسِ الحَقائقِ الفَنِّيَّةِ مِنْ مَظانِّهِا الطَّبِيعِيَّةِ بِلا تَكَلُّفِ وَلا تَحَيُّفٍ : هِي أحَدُ الرَّوافِدِ الرَّئيسَةِ للإحْساسِ الحَقِيقِيِّ بِمَعْنَى الحَياةِ وَبِقِيمَةِ الوُجُودِ... إنَّها مُحاوَلَةٌ فِطْرِيَّةٍ وَعَفْوِيَّةٍ لِتَلَمُّسِ سُبُلَ الاقْتِرابَ وَالتَّعَرُّفِ إلَى الحَقائقِ الكُبْرَى فِي هَذا الوُجُودِ... بِحَيْثُ يُخَوِّلُ هَذا الاقْتِرابُ لِلْمُبْدِعِ صَلاحِيّاتٍ التَّخاطُرِ مَعَ مُفْرَداتِ هَذا الوُجُودِ فَتَبُـوحُ لَهُ بأسرارِها.. وَتُفْضِي لَهُ بِأغْلَى وَأجْوَدِ ما لَدَيها!... فَهَذِهِ الخَلِيقَةُ عَلَى القَدْرِ الَّذِي تَبْدُو بِهِ لِمَنْ يَخْطُبُ وُدَّها غَيْرَ مُتَكَلِّفَةٍ!... بَيْدَ أنَّه لا يَمْلُكُ مِفاتِيحَ أسْرارِها إلاّ أنْفاسٌ طاهِرَةٌ.. وَأرواحٌ سَخِيَّةٌ زَكِيَّةٌ ماهِرَةٌ... وَنُفُوسٌ شَفّافةٌ شاعرَةٌ... قد أُلْهِمَتْ فِطْرَةَ التَّواصُلِ الحَضارِيِّ المَعْرِفِيّ بِما بينها وَبين مُفْرَداتِ هَذا الوُجُودِ مِنْ وَشائجَ وَرَوابِطَ فَذابَتْ فِيهِ وَذابَ هُوَ فيها... وَمِنْ ثَمَّ فَلا غَرْوَ أنْ يَكُونَ الأدِيبُ مِرآةً صادِقَةً لِواقِعِهِ المَعِيشِ بِكُلِّ ما فيه مِنْ َمُعاناةٍ وَمُكابَدَةِ وَكَدٍّ وَمُجاهَدَةٍ.. وَما يَخْتَلِجهُ مِنْ آلامٍ وَآمالٍ وَمِثالٍ وَخَيالٍ وَجَمالٍ!...
فالواقِعِيَّةُ، هِيَ بِمَثابَةِ نِضالٍ أدَبِيٍّ فِي سَبِيلِ قِراءَةٍ نَزِيهَةٍ لِلْكَوْنِ وَالحَياةِ والإنسانِ... بُلُوغًا إلَى الحَقائقِ كما هِيَ مَهْما كانَتْ مُرَّةً حِينًا وُمُزْعِجَةٌ حِينًا وَمُثِيرَةً أحْيانًا... وَهَذِهِ هِيَ الواقِعِيَّةُ فِي أبْلَغِ مَعانِيها وَارْسَخِ مَبانِيها!؛ إنَّ هَذِهِ الرُّؤيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبارِ النَّشاطَ الإنسانِيَّ عُمُومًا- والنَّشاطَ الفَنِّيَّ بِخاصَّةٍ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ : مُجَرَّدَ ظَواهِرَ وَوَقائعَ يَجِبُ الوُقُوفُ لَدَيها وَتَسْجِيلُ خَصائصِها وتَعْلِيلُها وَتَفَهُّمُها مُجَرَّدَةً بِلا تَزَيُّدٍ أو مُغالاةٍ.. وَدُونَ الاهتِمامِ بِأحكامٍ مُسْبَقَةٍ!...
إنَّ الواقِعِيَّةَ بِما أنَّها رَفْعٌ لِواقِـعٍ يَفِيضُ بالتَّطَوُّرِ والتَّغَيُّرِ والنَّماءِ وَالحَيَوِيَّةِ... فَهِيَ تُمَثِّلُ طَوْقَ نَجاةٍ لِلانْعِتاقِ مِنْ أسْرِ تَقْلِيدِيَّةِ الجُمُودِ والتَّحَجُّرِ عِنْدَ أدَبِ القَوالَبِ الجَاهِزَةِ وَالانْطِباعاتِ المُسْبَقَةِ!... وَلَعَلَّ هَذا التَّوْصِيفَ لا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الواقِعِيَّةِ نَزْعَةً عالَمِيَّةً!... لَكِنَّ الَّذِي انْشُدُهُ : هُوَ واقِعِيَّةً مُتَعَقِّلَةً مُتَّزِنَةً مُسْتَنِدَةً إلَى مَنْطِقِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ النّاسَ جَمِيعًا عَلَيْها.
وَلِذَلِكَ، فَقَدْ أصْبَحَتْ الظَّواهِرُ المائلَةُ فِي مَدارِ حَرَكَةِ العُمْرانِ البَشَرِيِّ : رُكْنًا رَكِينًا فِي رُؤيَةِ الرّوائيِّ لِعَالَمِهِ الفَنِّيِّ الَّذِي يَمْتَدُّ طُولاً بِعَرْضِ السَّماواتِ وَالأرْضِ!... وَهَذا يَعْنِي أنَّ الرّوائيَّ حِينَ يَبْحَثُ عَنْ ذاتِهِ كَإنْسانٍ وَعَنْ مَوْقِعِهِ كَخَلِيفَةٍ فِي فُسْحاتِ تِلْكَ المَنْظُومَةِ الكَوْنِيَّةِ... فَلا يَعْتَدُّ بِحواجِزَ وَلا مَوانِعَ تَقِفُ حائلاً دُونَ اتِّصالِهِ بِحَقائقَ النَّفْسِ وَالكَوْنِ والحَياةِ... وَهَكَذا تُصْبِحُ الواقِعِيَّةُ بِلا ضِفافٍ- عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ « جارُودِي».
إنَّ الواقِعِيَّةَ لَيْسَتْ بِطَبِيعَةِ الحالِ تَجْرِبَةً خاصَّةً مُنْعَزِلَةً عَنْ إنْسِيَّةِ الإنْسانِ المُسْتَخْلَفِ، وَلا هِيَ تَوصِيفًا لِمَوْقِفٍ إثْنِيٍّ أو طائفِيٍّ أو انْعِكاسًا لِرُؤيَةٍ طائفِيَّةٍ دِينِيَّةٍ أو لأيْديُولُوجِيَّةٍ أو مَوقِفٍ اجْتِماعِيِّ أو سِياسِيِّ... كَلاَّ، بِلْ إنَّها رُؤيَةٌ حَضارِيَّةٌ لِكَافَّةِ الظَّواهِرِ المُتَعَلِّقَةِ بالإنسانِ والكَوْنِ والحَياةِ مِنْ خِلالِ وَسائطَ وَسَطِيَّةٍ تَتَمَوْقَعُ بِالأنا وَالآخَرِ فِي حُدُودِ ذَلِكَ البُعْدِ الَّذِي تَتَجَلَّى مِنْ خِلالِهِ الحَقائقُ عَلَى طَبِعَتِها دُونَما تَحْدِيبٍ أو تَقْعيرٍ.
وَهُنا تَأتِي أهَمِّيَّةُ وُجُودِ الأدِيبِ الَّذِي تَتَّسِقُ نَفْسُهُ وَمَشاعِرُهُ وَأحاسِيسُهُ وَهَواهُ وَمَواهِبُهُ مَعَ حَرَكَةِ هَذا الكَونِ المُتَرامِي؛ بَلْ مِنْ هُنا تَأتِي أهَمِيَّةُ دَوْرِ الشَّاعِرِ فِي مَدَى قُدْرَتِهِ على تَشْخِيضِ أدواءِ الإنسانِيَّةِ، وَتَوصِيفِ دَوائها المُناسِبِ الَّذِي يَعُودُ بِها إلَى مَدارِ إبْداعِها الحَضارِيِّ!...
وَلَعَلَّ مِنْ أهَمِّ فُرُوضِ الرَّؤيَةِ الواقِعِيَّةِ فِي الأدَبِ المَحْكِيِّ بِعامَّةٍ والرِّوايَةِ بِخاصَّةٍ، أنَّ الرِّوائيَّ بِما يَمْلِكَهُ مِنْ ضَمِيرٍ وَما يَسْتَغْرِقَهُ مِنْ أحاسِيس وَمَشاعِرَ وَوِجداناتٍ إنسانِيَّةٍ... لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أيديُولوجِيًّا؛ فَالأيديولوجيا إذا اقْتَحَمَتْ عالَمَ الرِّوايَةَ أفْسَدَتْهُ!؛ وَلَكِنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً إلاَّ بِقدْرِ ما يَبْدُو الحَسَنُ قَبِيحًا، والقَبِيحُ حَسَنًا!...
وَهُنا تَأتِي أهَمِّيَّةُ وُجُودِ الأدِيبِ الَّذِي تَتَّسِقُ نَفْسُهُ وَمَشاعِرُهُ وَأحاسِيسُهُ وَهَواهُ وَمَواهِبُهُ مَعَ حَرَكَةِ هَذا الكَونِ المُتَرامِي؛ بَلْ مِنْ هُنا تَأتِي أهَمِيَّةُ دَوْرِ الشَّاعِرِ فِي مَدَى قُدْرَتِهِ على تَشْخِيصِ أدواءِ الإنسانِيَّةِ، وَتَوصِيفِ دَوائها المُناسِبِ الَّذِي يَعُودُ بِها إلَى مَدارِ إبْداعِها الحَضارِيِّ!... وَهُنا أيْضًا تَبْدُو أهَمِّيَّةُ العَمَلِ الفَنِّيِّ الَّذِي بَيْنَ أيدِينا!... الَّذِي بَلَغَ مِنْ عُمْقِهِ وَرَصانَتِهِ ما كانَ جَدِيرًا بِنا جَدِيرٌ أنْ نَنْحِتَ لأجْلِهِ مِنْ عالَمِ النَّقْدِ مُصْطَلَحًا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ « الواقِعِيَّةَ المُتَجَدِّدَةَ»؛
وَإنَّنِي أُرِيدُ بِهَذا المُصْطَلَحِ « الواقِعِيَّةَ المُتَجَدِّدَةَ» : أنْ أُؤسِّسَ لِتَوَجُّهٍ أدَبِيٍّ يُعْنَى بِرَفْعِ الواقِعِ مُمْتَزِجًا بِحالَةٍ مِنَ التَّوَظُّفِ الكامِلِ ِللمَشاعِرِ وَالأحاسِيسِ وَالوجداناتِ وَالخَيالاتِ.. وَاسْتِثمارِ كَافَّةِ المَلَكاتِ الرُّوحِيَّةِ فِي خِضَمِّ التَّفاعُلِ مَعَ الواقِعِ لِتَتَبَلْورَ فِي صِياغَةٍ أدَبِيَّةٍ مُبْدِعَةٍ.. وَفِي صُوَرٍَ أدَبِيَّةٍ رائقَةٍ... تَصِفُ الأشياءَ بِلُغَةِ الفِطْرَةِ الَّتِي يَفْهَمُها كُلُّ إنسانٍ بِسَلِيقَتِهِ!...
نَدْلُفُ إلَى الرّوايَةِ الَّتِي أنْشأها يَرَاعُ الكاتِبِ وَالأدِيبِ الرّوائيِّ الجَزائرِيِّ عِزِّ الدِّينِ جَلاوجِي؛ حَيْثُ تَدُورُ أحداثُها عَلَى واحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ البِقاعِ الَّتِي عاشت مأساةً إنسانِيَّةِ بِكُلِّ ما تُلْقِيهِ المَأساةُ مِنْ ظِلالِ كَثِيفَةٍ مِنَ الكآبَةِ وَالأسَفِ لِما يَبْدُو مِنَ الإنسانِ حِينَ يَتَجَرَّدُ مِنْ إنسانِيَّتِهِ فَيَضْحَى غُولاً أهوجَ أحْمَقَ يَنْشُرُ الخَوْفَ والعُنْفَ وَالإرعابَ والإرهابَ عَلَى الآمِنِينَ!...
فَرَغْمَ كَثافَةِ الخَوفِ والرُّعْبِ والتَّوَجُّسِ الَّذِي أبْدَعَ الكاتِبُ تَصْوِيرَهِ وَهُوَ يَعْبَثُ بِعُـشِّ الآمِلِِيـنَ فِي حَياةٍ آمِنَةٍ مِنْ شَغَبِ الغِيـلانِ المُتَغاشِمَةِ... وَرُغْمَ نَزْفِ الحُرُوفِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأنَّها تُقاسِمُ أبْطالَ الرِّوايَةِ هُمُومَهُم، وَتُشاطِرَهُم أحْزانَهُم، وَتُواسِي جِـراحَهُم... وَرَغْمَ ما بَلَغَتْهُ تِلْكَ الجِــراحُ مِنْ عُمْقٍ قَـدْ أدْخَلَ المُتَلَقِّـي فِي دَوَّامَةِ الألَـمِ النَّفْسِيِّ والتَّوَتُّـرِ الشُّعُورِيِّ والاهْتِـزازِ الوُجدانِيِّ العَنِيفِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى شَفا اليأسِ والإحباطِ!... لَكِنَّ عِزَّ الدِّينِ جَلاوجِي اسْتَطاعَ أنْ يَرْسُمَ فِي خَلْفِيَّةِ الصُّورَةِ مَلامِحَ بِعَيدَةً لِلأمَلِ وَالأمانِ.. تِلْكَ المَلامِحُ الَّتِي تَكَوَّنَتْ فِي تَضارِيسِ الصُّمُودِ وَالتَّحَدِّي الَّتِي ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِ الأبِ وَهُوَ يُدافِعُ عَنْ أُمِّهِ الَّتِي تُمَثِّلُ جُذُورَهُ وَأصالَتَهُ... ثُمَّ اسْتِماتَةَ الأمِّ عَلَى قِيمِ العَطاءِ... وَلَيْسَ عَلَى الأمِّ بِعَزِيــزٍ أنْ تَمْنَـحَ صِغارَها الحَياةَ حَتَّى فِي أحْرَجِ اللحْظاتِ.. وَكَأنَّما اللهُ يُخْرِجُ الحَـيَّ مِنَ المَيِّتِ!.
لَقَدْ اسْتَطــاعَ الكاتِبُ أنْ يَسْتَخْلِصَ مِنَ أتُونِ المِحْنَةِ أنْبَلَ مَشاعِرِ التَّشَبُّثِ بالوَطَنِ الَّتِي بَدَتْ كالبَرْقِ الَّذِي يُصِيبُ الظَّـلامَ بِالتَّصَدُّعِ فَيَكادُ يَقْضِي عَلَيْهِ مُؤذِنًا بِفَجْرِ جَدِيدٍ!.. إنَّها إرادَةُ الحَياةِ الَّتِي تَتَجَسَّدُ فِي ابْتِسامَةِ صِغِيرَةٍ رَغْمَ جِراحِها المُثْخَنَةِ... قَدْ قُدِّرَ لَها أنْ تَنْجُوَ مِنَ المَوتِ فَتَبُثُّ فِي الأشلاءِ المُتَرامِيَةِ هُنا وَهُنـاكَ الأمَلَ فِي الحَيـاةِ مادامَ التّارِيخُ تارِكًا ذِكْرَياتِهِ الحَيَّةِ عَلَى جَبِينَ البَراعِمِ النّاشئةِ، فالأمَلُ باقٍ مَهما سالَتْ الدِّماءُ وَمَهْما انْتَكأتِ الجِراحُ!... تأمَّل الشَّيْخَ وَهُوَ يَقُولُ : « هَؤلاء الأبْرِياء الذين دفنوا في رحم الأرض... سينبتون زهورا للخير والحب والتسامح نواجه بـها غيلان الشر والأنانية»
يا لِبلاغَـةِ السَّـرْدِ بِإيحاءاتِهِ المُوجَزَةِ وَإيجازاتِهِ المُوحِيَةِ بِسَيْلِ التَّعابِيــرِ الدَّقِيقَةِ، الَّتِي ارْتَسَمَتْ بِمِدادِ عِزِّالدِّينِ جَلاوجي وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أنَّهُ فِي أزْمِنَةِ الجِــراحِ « ... ليس هناك شيء ألذ ولا أحلى وقد عصرت الفاجعة مرارتها في فم الجميع… » إنَّها المَرارَةُ الَّتِي تُغَذِّي الأجيالَ النّاهِضَةَ بِأُكْسِيــرِ الحَياةِ الكَرِيمَةِ
يا لِجَمالِ وَرَوْعَةِ وَجَـلالِ إبداعٍ قَدْ تَفَـوَّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي غَيْرِ لَقْطَةٍ وَمَشْهَدٍ وَمَوقِفٍ!... فَعَلى الرَّغْمِ مِنْ الإيقاعِ الدِّرامِي الحَزِينِ لِلرّوايَةِ... بَيْدَ أنَّ تِقَنِيَّةِ العَمَلِ الرِّوائيِّ لَمْ تَرْتَكِزُ عَلَى الحُزْنِ كَبُعْدٍ فَنِّيٍّ وَحِيدِ، كَلاَّ، فإنَّ سِيمفُونِيَّةَ السَّرْدِ كانَتْ مَلْحَمِيَّةً... تُسْلِمُنا مَشاهِدُها وَمَواقِفُها وأحداثُها إلَى بَعْضِها دُونَ إرادَةٍ مِنّا، وَدُونَ أنْ يَظْفَرَ مِنّا المَلَلُ بِالْتِفاتَةٍ واحِدَةٍ!... إنْ هِيَ إلاَّ تَنْهِيـدَةٌ بِإثْرِ تَنْهِيـدَةٍ... فَما يَكادُ المَرءُ يَنْتَهِزُ فُرْصَةً لالْتِقاطِ أنفاسِهِ حَتَّى يأخُذُ نَفَسًا طَوِيلاً عَساهُ يَمْتَدُّ بِه إلى مَدًى أبْعَدَ مِنَ ذَلِكَ السِّياقِ الَّذِي أدْمَنَ القارِئُ الاسْتِغراقَ فِيهِ بِتَحَبُّبٍ وَتَوَدُّدٍ أمَلاً ألاَّ تَنْفَدَ كَلِماتُهُ!... حَتَّى لَقَدْ صارَتْ تِلْكَ الكَلِماتُ بِمَثابَةِ المُفْرَدَاتِ الفَنِّيَّةِ الَّتِي تَتَألَّفُ مِنْها سِيمفُونِيَّةُ الحَياةِ وَأُنْشُودَةِ لِلأجيالِ... تُرَدِّدُها فِي أمَـلٍ وَثِقَةٍ وَثَباتٍ :
« أيـها الليل طل ما شئت...
أيتـها السماء أمطري ما بدا لك...
أيتها الدروب الوعرة تمددي إلى سدرة المنتهى...
في قلوبنا...
في صدورنا براكين التحدي...
في جوانحنا حرارة الاستمرار... »
إنَّها التَّعابِيـرُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي تَمْتَزِجُ فِيها الصُّوَرُ الشِّعْرِيَّةُ بِالنَّسَقِ السَّرْدِيِّ لِلرِّوايَةِ فَتُؤَلِّف فِي الأخِيرِ عَمًلاً فَنِّيًّا مُتَكامِلاً مُتَماسِكًا!...
رَغْمَ قِلَّةِ الحِيَلَةِ وَتَواضُعِ الإمكاناتِ وَتَواطُؤ الواقِـعِ بُكُلِّ سَخافاتِهِ وَغَشَمِهِ وَغَباواتِهِ... رَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ... تَرْتَفِعُ عَقِيرَةُ الحَقِّ الواثِقُ « وماذا نملك نحن غير هؤلاء البسطاء الذين يفيضون حماسا وتعلقا بالأرض؟ ... يجب أن نستمر لنبقى غصة في حلوق الظالمين... يجب أن نستمر لنبقى حصنا أمام عواصف الشر... » وَفِي ظِلِّ هَذا الإصرارِ العازِمِ الحازِمِ الجازِمِ عَلَى صِناعَةِ الحَياةِ، لَمْ يَكُنْ لأمَلِ تِلْكَ الحَيـاةِ بُدٌّ مِنَ النُّمُـوِّ وَالتَّـرَعْرُعِ حَتِّى يَصِيـرَ وارِفَ الظِّـلالِ بِهَيَّ الجَــلالِ سَهْلَ المَنــالِ!...
وَفِي خِضَمِّ الأسْئلَةِ المُتَدافِعَةِ : « ما الذي وقع؟؟ إلى أين نحن ذاهبون؟؟ أهي العودة للوطن؟؟ أم هو رحيل آخر في دروب التشرد والضياع؟؟ يَنْسـابُ الجَوابُ جَذْلاً تارَةً عَلَى لِسـانِ المُجاهِدِينَ : وَتارَةً أُخْرَى يِأتِي الجَوابُ بَلِيغًا حَيْثُ « توقفت الأميرة عندي فغمرني شعور من الفرحة العارمة، خاصة وهي تنحني فتطبع على جبهتي قُبلة، رحلت معها إلى الشرق حيث الجذور متينة قوية...» إنَّها الأواصِرُ الغائبَةُ الحَاضِرَةُ!...
وَفِي جَوٍّ مِنْ تَعانُـقِ المَشاعِرِ الإنسانِيَّةِ الطّاهِرَةِ مِنْ نَجَسِ التَّعَصُّبِ وَالمَتَطَهِّرَةِ مِنْ رِجْسِ الهَـوَسِ الدِّينِيِّ بِتَصـادُمِ الحَضاراتِ... وَبَعِيدًا عَنْ الرُّؤوسِ الَّتِي تَدُورُ نَشْوَةً وَاغْتِـرارًا بِنَهايَةِ التّارِيــخِ... كانَتْ صَبِيحَةُ الدُّنِيا الجَدِيدَةِ كَفَراشَةٍ صَغِيـرَةٍ تَفْـرَحُ وَتَمْـرَحُ فِي كَنَفِ بَراءَةِ الرِّبِيــعِ... وَقَدْ أطْلَقَتْ لِساقَيْها عَنانَ السَّمـاءِ المُشْرِقَةِ بِشَمْسِ الحُرِّيَةِ الوَدُودِ!...
عَطِيَّة الوِيشِيّ
كتبها عزالدين في 06:21 مساءً ::
الاسم: عزالدين
